ها قد انتهى التشكيل الوزاري، واكتملت الوزارة بعد جدلٍ شديدٍ في الأوساط السياسية على طبيعتها وكيفية تشكيلها وأشخاص الوزراء وطريقة ترشيحهم؛ وكل يسوق الحجج والبراهين على صحة موقفه وآرائه ورؤاه.

 

وأحسب أنه بعد إعلان التشكيل يجب أن نتوقف جميعًا عن الخوض في الماضي والتسابق في تفنيد الاختيارات وتصيدوتضخيم الأخطاء وادعاء كل منا أنه الخبير الأوحد والأمثل في الاختيار، وأنَّ رأيه كان الأصح والأصوب.

 

إن المرحلة الحالية توجب علينا جميعًا أن نتوحد خلفهذه الوزارة ودعمها بكل ما نستطيع، ونبذل لها النصح والجهد والرأي والمشورة والنقد البناء، ونكون داعمين لها لا معوقين أو مثبطين لعملها، فإن في نجاح هذه الوزارة نجاح لمصر ولثورتها المباركة، وفي إخفاقها إخفاقٌ لهما، قد يكون لأي شخصٍ تحفظ على اختيار ما أو على شخصيةٍ ما، ولكن الأوجب هو دعم هذا الاختيار مع مراقبة الأداء وتصويبه.

 

لا ينبغي في هذه الأوقات الحاسمة أن يكون المنطلق الأساسي هو التشفي أو تمني الأخطاء أو الفشل، ولكن المطلوب هو الدعم والمؤازرة وتقديم الواجبات المطلوبة منا على حقوقنا، لإنجاح الثورة ومشروعها ولنهضة مصر وتبؤها لمكانتها المستحقة بين الأمم.

 

إن على كل صاحب خبرة أو علم أن يُفيد به بلده وأهله ويسعى لتطبيقه والتعاون المثمر مع الوزارة الجديدة ثم المحافظين وكل الأجهزة الحكومية والأهلية؛ لأن مصر لن تنهض بجهدفئةٍ دون أخرى ولو كانت الحكومة ذاتها، فالحكومة بلا دعم وتعاون شعبي أضعف من أن تنجز المستهدفات المطلوب منها إنجازها في فترة وجيزة يترقبها الجميع.

 

وبالتوازي مع ذلك لابد من مراقبة صحية لأداء الحكومة لتصحيح المسار إذا حاد عن الطريق، ولتقويمه ولتفعيل الرقابة الشعبية على أدائها وحسن توجيهها.ندعم المُجِدَّ ونُقوِّم المخطئ، ونُعين المتباطئ، فمصربلدنا جميعًا، ونهضتها تعود بالخير علينا جميعًا.

 

وعلى الحكومة الجديدة أن تأخذ الأمربقوةٍ وعزيمة، فالفترة الحالية حاسمة في تاريخ مصر، وتحتاج لحكومةٍ على مستوى الحدث التاريخي الذي نحياه، فليتحرك كل وزير بكل طاقة وجهد لينفذ البرامج والخطط الموضوعة، وليعمل على ما فيه مصلحة الوطنوالمواطن. فمصر تنتظر منهم الكثير والكثير جدًّا وفي فترة زمنية حساسة من تاريخها وبعد وضع أول رئيس منتخب في تاريخ مصر ثقته فيهم واختيارهم لتنفيذ برنامجه الذي انتخبه الشعب على أساسه، وليستعينوا بكل الكفاءات الموجودة في مصر، ومن كل الاتجاهات السياسية، وليعملوا على ترسيخ قواعد الدولة الحديثة التي ننشدها، والتي قامت الثورة من أجلها.

 

الدولة التي تحترم الدستور والقانون والتي تحارب الفساد والمحسوبية وتحترم حقوق الإنسان وتقيم أسس النهضة الحقيقية ويكون الجميع فيها سواء أمام القانون، الدولة القائمة على المؤسسية، والتي يبذل كل فرد فيها غاية وسعه لبنائها حمايةً لحاضره وبناءً لمستقبل أبنائه.

 

ولتكن الوزارة قدوةً لكل موظفي الدولة، ولتكن القاطرة التي تقود مسيرة البلاد، فكلما كان الوزراء قدوةً صالحة في العمل والسيرة والمسيرة اقتدى بهم مَن خلفهم، وبذلوا أضعاف الجهد المطلوب منهم.

 

وليكن في قمة أولويات الوزارة الأولويات الخمس التي تحدَّث عنها السيد رئيس الجمهورية(النظافة، المرور، الأمن، الخبز، الوقود)؛ لأن الشعب انتظر كثيرًا تشكيل هذه الوزارة،انتظر عشرات السنين لتشكل وزارةً تُعبِّر عنه تعبيرًا حقيقيًّا وتسعى لمصالحه لا لمصالح الحكام وأذنابهم.

 

إن آمال الشعب وطموحاته أمانة في أعناقكم والظرف التاريخي لا يحتمل أي إخفاق،فلتبذلوا كل جهدكم وغاية وسعكم لتحقيق وبناء نهضة حقيقية لمصر وشعبها، وتأكدوا أن جميع المخلصين من أبناء مصر وراءكم ومن خلفكم يشدون أزركم ويدعمونكم ويقومونكم، وينتظرون منكم  إزالة آثار عشرات السنين من الظلم والكبت والحرمان.

 

وليتسع صدركم للنقد وتقبلوه بصدر رحب، وخذوا الصالح منه، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، وأحسنوا توظيف كل الطاقات والقدرات المتاحة لكم ولاتستبعدوا أو تقصوا أحدًا،كونوا حلاًّ للمشاكل لا مصدرًا ومنشأ لها،ولنتسابق جميعًا في حبِّ مصر ونهضتها.

 

إن مصر العظيمة قادرة على إعادة بناء مجدها من جديد فلتنالوا هذا الشرف- وإنه لقريب بإذن الله- يكن لكم خيري الدنيا والآخرة بإذن الله، إذا خلصت النوايا وبذلت الجهود وتوحَّدت القوى.

 

تغلبوا على التحديات وأهلها؛ فالطريق صعبة وشاقة وطويلة وتحتاج لعزيمة الرجال وجهد المخلصين وعلم النابهين وحنكة الحكماء وصبر الدعاة. فالتاريخ والشعب والضمير الإنساني لن يرحموا من يُفشِّل التجربة لأي سببٍ من الأسباب.

 

أعانكم الله وسدد خطاكم لما فيه خير البلاد والعباد، فنحن جميعًا خلفكم لتحقيق النهضة ولمواجهة أي تحدياتٍ تواجهكم، والله معكم ولن يتركم أعمالكم..(وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).