إن التاريخ يرمينا على فترات بنقاط فاصلة، وحروف حادة، وجملة أيام تمحص القلوب، وتجلو الفكر من صدأ الغفلة؛ وما أشبه الليلة بالبارحة!!.

 

ففي  شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة حدثت أول معركة بين الحق والباطل، بين المسلمين المضطهدين المُبعدين خارج بلادهم وبين الطغاة من أهل الشرك، إنّ هذا اليوم لم يكن يوم حرب فحسب، بل كان يوم إعلان دولة الإسلام في جزيرة العرب، بل في العالم أجمعه، إن يوم "بدر" شهادة وجود لدولة الحق على الأرض.

 

وقد يعجب كثيرون حين أقول إن أبا جهل رغم ما نعرفه من عداوته للإسلام والمسلمين هو الذي قام وأعلن تلك الدولة الإسلامية.. أبو جهل هو رجل مكة الأول الذي أصرَّ على أن تُعلن في هذا اليوم، ولندع التاريخ يقص علينا كيفية ذلك.

 

يقول المؤرخون: إن أبا جهل تحمس لقتال المسلمين واستنفر الناس ورغم علمه بنجاة القافلة فإنه أصر على أن يحقق أكبر انتصار تسمع به العرب.

 

وقد كان عليه ذلك؛ فحشد الحشود، وسار إلى المسلمين باغيًا أن تسمع به العرب، فسمعت به ولكن في القليب، ورُفعت دولة إلى عنان السماء، ولكن دولة الإسلام؛ دون قصد منه وترتيب؛ فحق له أن يكون أبا جهل.

 

ولذا نقول إن الدولة الإسلامية تمر في مسيرتها بعقبات صلدة، يراها الناظر المتعجل أنها حتف وموت، ولكن المخلصين والمؤمنين حقًّا يرونها بداية الحق ونهاية الباطل، وقد يجعل الله من شدتها قوة للمؤمنين، وقد يصنع لهم من عدوهم جيشًا جرارًا إن هم أخلصوا.

 

إن المسلمين حين خرجوا ليستردوا بعض حقهم من قافلة قريش لم يكن في حسبانهم أن هذا اليوم هو بداية الدولة الإسلامية الحقة، أو أن رحى الحرب سوف يديرها أبو جهل لتطحنه مع صناديد قريش، فلم يخرج من المسلمين كثير، حتى إن بعض من خرج كان مترددًا، فلم يتزود بسلاح المحاربين وعدتهم، لكن رمح وسيف ولا غير، فالقافلة لا تستحق أكثر من هذا، ولكنه لم يدر أنها قافلة التاريخ الإسلامي.

 

ولكن أراد الله أن يرسخ في قلوبهم أن النصر مع الصبر، وأن الفلاح في يقظة الضمير، ولا شك أن الإيمان بالرسالة تحفه الامتحانات والابتلاءات في أي زمان وأي مكان، أو كما قال الغزاليّ: "هذه الامتحانات المباغتة أدق في الحكم على الناس وأدل على قيمهم من الامتحانات التي يعرفون ميعادها..."، والمعادن لا تُعرف صلابتها إلا حين تمرر على النار، والرجال لا تُعرف إلا في الشدائد والمحن:

 

جزى الله الشدائد عنِّي كلَّ خير *** عرفت بها عدوي من صديقيولذا كان الفخر لمن شهد بدرًا، وكانوا يلقبونه بـ"بدريّ"، وكأنهم يقولون "رجوليّ" ولكن بلقب المعركة.

 

وجميل أن يبلي المسلون في "بدر" بلاءً حسنًا، ولكن الأجمل عندي أن يُقتل أبو جهل على يد غلامين صغيرين، يا لها من مفخرة كان أبو جهل يصر عليها، ويبحث عنها؛ ليهديها للغلامين المسلمَين، وانتصار وسمعة توج بهما المسلمون جميعًا، وكأنه فرعون يربي موسى ليغرقه، والعجيب أن أبا جهل كان ينشد وهو يحارب "لأجل هذا ولدتني أمي"، وكأنها ولدته لينصر الإسلام بكثرة حقده عليه.

 

هكذا أهل الباطل في يومنا هذا، يرصدون أموالهم ويستنطقون عبيدهم وإعلامهم؛ ليزيدوا من رفعة الإسلام من حيث لا يدرون؛ فحقد خصمك المتزايد عليك قد يصل في مرحلة ما إلى قوة تدفعك لأعلى؛ فما تزداد بحقده إلا رفعة، وما يزداد بحقده إلا ضِعة، ويكون تدميره في تدبيره، كالأحمق الذي أرهق نفسه في نقل صخور الجبل ليسد عليك طريقك، ولم يدر أنه فتح لك من جانب آخر طريقًا أوسع إلى الصحراء الواسعة.

 

إن دروس بدر كثيرة، ومما نقتبسه هنا: الثبات والصبر، والإيمان بأن العدو مع إخلاصنا يجعله الله من عوامل النصر، وأن شدة العداوة ومحاولة التشهير بالمسلمين لا يزيدهم إلا عظمة ورفعة، وقد يأتي النصر من حيث لا يحتسب أحد كما قُتل رأس الكفر أبو جهل على يد غلامين صغيرين كالنجمين يبدوانِ للعين صغيرين، لكنهما في حقيقة الكون أحمال ومجرات.

 

أخيرًا فلنرتشف من أيام الإسلام الأولى دروسًا لأيامه الباقية، ولنعلم أن دولة الحق متعطشة إلى رجال حق، وإيمان حق، وفكر حق، وشباب حق، وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق إعلامه المتمثل في الشعراء كحسان وكعب وابن رواحة؛ ليبثوا الرعب في قلوب الأعداء بقوافيهم، كذلك فلنرد على الكذابين والمرجفين ما دمنا على طريق الله تعالى، فإنه لا يضرنا من ضل إذا اهتدينا. ورب كلمة فعلت ما لم تفعله السيوف، وسيولي إبليس من ميدان القتال هاربًا، فلنستبشر بأنَّ شجرة الباطل تذبل فرعًا فرعًا، وعما قريب سنجتثها؛ فلنعد لها عدتها.