فكرية وتربوية
رمضان ومقومات النهضة وفقه الإصلاح والبناء
الأحد 29 يوليو 2012 08:03 ص
كتب: بقلم: عبد الناصر عبد الحق عبد الباري
الحمد لله الذي وهبنا شهر رمضان ليُعلمنا كيف نحمل مشروع النهضة؟ وكيف نقوم بالإصلاح والبناء لبلدنا وأمتنا؟ والصلاة والسلام على من أرسله رُبنا رحمة لنا يقودنا في رمضان إلى جوهر المواطنة وأهم أسس بناء وإصلاح المجتمع والدولة، وعلى من سار على هداه إلى يوم الدين، وبعد..
أيها الأحباب ها نحن نعيش مع نفحات رمضان لنستقي منه أهم دروس وحكم الصيام وكيف أنها هي هي أهم مقومات مشروع النهضة وإصلاح الدولة، ولنعلم أن العبادة فُرضت لتعلمنا كيف نصلح العباد والبلاد ونبني النهضة ونحقق الريادة على العالمين..؟
فرمضان يفرض علينا أن نصوم جميعًا في شهر واحد ونمسك في لحظة واحدة ونفطر جميعًا على إشارة واحدة ونصلي في صف واحد وعيدنا جميعًا في يوم واحد وهكذا في كل أعمال الصوم يعلمنا ويرشدنا ويفرض علينا الوحدة والجماعة والاعتصام بعيدًا عن الخلاف والفرقة والتنازع وتلك أهم مقومات وأسس مشروع النهضة والبناء والعكس صحيح فلا نهضة ولا إصلاح ولا بناء مع الفرقة وصدق الله: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: من الآية 46).
رمضان يُعلمنا الإخلاص والمراقبة ولا نهضة ولا إصلاح ولا بناء بدونهما.. يقول عز وجل في الحديث القدسي "كل عمل بن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به..".
فالصيام هو العبادة الوحيدة التي ليس فيها رياء ولا تتم إلا بالمراقبة الصادقة لصدقك مع الله في الصوم. كل العبادات يراك فيها الناس وبالتالي يمكن أن يدخل فيها الرياء إلا الصوم فيمكن أن تصوم دون أن يعرفك أحد أو تدعي أنك صائم وأنت مفطر في الحقيقة (في الخلاء) فلا رقيب عليك إلا نفسك، وهكذا لا تكون النهضة ولا يتم البناء إلا إذا أخلصنا جميعًا في كل خطواتنا وأقوالنا وأفعالنا لله وللوطن ولمشروع النهضة، وراقبنا أنفسنا وضمائرنا وكنا على قلب رجل واحد في الوحدة والإخلاص والمراقبة.
ولو تدبرنا كل معوقات الثورة ومشروع النهضة وإصلاح البلد لوجدناها تعود إلى ضعف هذه المقومات، أي تعود إلى الفرقة والتنازع وعدم الإخلاص وضعف المراقبة لأقوالنا وأفعالنا ونوايانا تجاه الوطن والثورة، فتعددت الأهداف وتنازعتنا الأهواء، وكثرت الأجندات والمصالح الشخصية والمنافع الدنيوية، وذلك لا يقيم بلدًا ولا يبني نهضةً.. فهل نتعلم من رمضان ونتقي الله في بلدنا وثورتنا؟ فنتوحد ونخلص ونراقب الله في كل أمرنا!!!
رمضان شهر الصبر وعماد النهضة والبناء والإصلاح الصبر.. وفي الحديث "الصوم نصف الصبر" ورمضان عنوانه الصبر، وما تعطلت الثورة فلم تتم أهدافها حتى الآن، وما كثرت الأزمات، وارتفعت الأصوات إلا من قلة الصبر، واستعجال الثمرة قبل أوانها، وهذا مخالف لسنن الكون والحياة، فلا شيء يزرع ويحصد في لحظة واحدة أو يقوم ويتم دون أن يأخذ وقته الطبيعي للنضج والتمام وإلا فسينهدم ويموت، ولقد استغل أعداء الثورة وأصحاب الثورة المضادة ضعف هذا المقوم (الصبر) لدى الناس فأثاروا القلاقل وافتعلوا الأزمات ليشوهوا الثورة وما حققته من إنجازات، كما رأينا مع مجلس الشعب ثم التأسيسية ثم الآن مع الرئاسة، وصدق الله إذ يقول في صفات أصحاب النهضة والإصلاح والبناء: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ) (آل عمران: من الآية 146)، حالهم صبر في صبر ودعاء واستغفار وليس هجومًا وتشويهًا وتيئيسًا وإحباطًا.... إلخ.
ويوصينا جميعًا- إن أردنا الفلاح والنهضة- بالصبر، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)) (آل عمران).
فيا ليتنا نأخذ العبرة والدرس من شهر الصبر فنصبر على ثورتنا ونهضتنا ونجتهد في العمل حتى يتم البناء والإصلاح.
رمضان يُعلمنا المواساة والإحساس بالآخر (المواطنة والمدنية).. نحن نصوم لنشعر بالآخر بإخواننا وأبناء شعبنا وأمتنا من الفقراء والمساكين واليتامى والأسرى واللاجئين الذين لا يجدون ما يسد جوعتهم أو يكسو عريهم أو يحمي عرضهم.
الصوم يعلمنا الإحساس بالآخر.. كيف نواسيه ونشاركه آلامه وأحزانه وأفراحه واحتياجاته؟ وكيف نحترمه ونحترم حقوقه وواجباته وأفكاره وخصوصياته؟... يعلمنا كيف تكون المواطنة الحقيقية؟ وكيف نعيش إخوة على أرض وطن واحد؟ وكيف يكون المجتمع المدني المتحضر الإنساني؟ وهل تهدف النهضة والثورة في أي بلد وعلى مر التاريخ إلا تحقيق هذه اللُحمة الحقيقية بين أبناء المجتمع؟ وهل تُعني المواطنة غير تلك المواساة بمعناها الواسع؟ وهل يريد المتشدقون شرقًا وغربًا من معنى الدولة المدنية الحديثة غير هذه المعاني العظيمة من الإحساس بالآخر ومواساته واحترام حقوقه ومشاعره وآراءه والعدالة والمساواة وعدم التفريق والتمييز بينه وبين أبناء وطنه وعدم الاعتداء عليه؟ كل هذا نتعلمه من رمضان وهو في ذاته جوهر النهضة والإصلاح!!!
وتلك هي المعاني الحقيقية للدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، لا التي يهدف إليها المنافقون الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق فهي كلمة حق يريدون بها باطل، وإلا فأي مدنية ومواطنة يتحدث عنها هؤلاء؟ إذا كانت لا ترضيهم تلك المعاني التي هي جوهر الإسلام والدين الذي يريدون فصله عن الدولة والحياة!!! أخبروني أية مدنية أو مواطنة تريدون لدولتنا المسلمة المحترمة صاحبة حضارة القيم والمبادئ والأخلاق؟
إنكم في الحقيقة تريدون مدنية الشهوات وحضارة المتع والملذات!! مدنية العُرى والإباحية، وحضارة العمالة والتبعية، مدنية الراقصين والراقصات والداعرين والداعرات، وحضارة ضخ الغاز لعدونا وسرق واغتصاب مقدرات البلد لصالح ثلة مجرمة، حضارة البلطجة والديكتاتورية والخيانة واحتقار الشعوب وإهدار كرامتها واغتصاب حرياتها وحقوقها وآدميتها!!! تلك المدنية والحضارة (الأمريكية) التي رأيناها وذقنا طعمها في أفغانستان والعراق؟؟؟ أم مدنية إسرائيل في غزة وفلسطين والقدس!!! أم مدنية وحضارة الاتحاد الأوربي وحلف النيتو في البوسنة والهرسك وكوسوفو؟؟؟؟ أم مدنية قومية أو محلية كمدنية عبد الناصر في إعدام العلماء وتكريم الراقصات والداعرات؟ وكمدنية السادات في حربه وسجنه لأهل الحق والإصلاح وسلمه وتصالحه مع إسرائيل؟ وكمدنية المخلوع في بيع الدولة وامتهان الشعب وحرق وسلب هويته ومقدراته و... الخ! أم مدنية القذافي وبشار في فن وعبقرية ذبح الشعب وإراقة الدم وهتك العرض وهدم القرى من أجل الكرسي! أخبروني إن كنتم صادقين، أي مدنية وحضارة ونهضة للدولة من هذه المدنيات التي أبهرتم بها العالم تريدون؟؟ وأي مدنية ترفضون مدنية رمضان من الحرية والعدالة والمساواة والمواطنة وتزكية النفوس والأخلاق والقيم والطهر والعفاف والمواساة!!!!!!!!!!!
ألا فاتقوا الله وتوبوا إليه وتعلموا من رمضان قبل فوات الآوان (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) (إبراهيم: من الآية 42)، فإنه سبحانه (لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس: من الآية 81)، و(وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: من الآية 205)، وأيضًا (إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) (الأعراف: من الآية 170).
رمضان وفقه الإصلاح والبناء نتعلم من رمضان كيف يكون التعاون، الذي لا بناء بدونه، وكيف تكون مجاهدة النفس وتربيتها على الأخلاق الكريمة فيقول لنا: "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يصخب ولا يرفث وإن سبه أحد أو قاتله فليقل إني صائم" نعم يهذب ألسنتنا- وما أحوجنا إلى ذلك- ويسمو بنفوسنا ويوقظ ضمائرنا.. وهل تقوم نهضات الشعوب وتبني الأمم الراقية حضارتها إلا بالاعتماد أولاً وأساسًا على الفرد الصالح صاحب المبادئ والقيم والنفس الزكية فهو عماد النهضة؟
وهل هناك أمر نعانيه الأن وهو أكبر معوق لنجاح الثورة غير ثلة الفاسدين المفسدين الذين يحاربون ليل نهار لإجهاض الثورة وحتى لا يكون للدين أية صلة بالواقع وبالحياة، بل يريدونها حياة بلا دين ولا قيم ولا أخلاق سوى أخلاق وقوانين الغاب ومبادئ الكفر والإلحاد (قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة من الآية 30)، (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) (التوبة: من الآية 32).
أحبابي الكرام.. كم هي الدروس التي نتعلمها من رمضان ونحن بحاجة إلى غرسها في نفوسنا وتطبيقها لتكون واقعًا ملموسًا بين الناس فهي أعظم مقومات نجاح ثورتنا وبناء نهضتنا وإصلاح بلدنا والتاريخ يذكرأن أهم الفتوحات والجهاد والبناء للأمة كان في رمضان مثل: بدر وعين جالوت وفتح المغرب العربي...
فهيا نغتنمه في تفعيل خطة المائة يوم ومساندة رئيسنا النقي فنتوحد خلفه وخلف مشروعه النهضوي لنبني بلدنا ونصلح أمتنا ونعود بمصرنا إلى الريادة وصدارة الأمم.. والله معكم ولن يتركم أعمالكم ويأتي العيد ويومه يفرح المؤمنون بنصر الله.