الأسئلة الصغيرة التي تسيطر على المشهد المصري قد تبعده كثيرًا عن أسئلته الكبرى المفصلية.
وأسئلتنا تدور حول تفاصيل الحكومة رئيسًا ووزراء، واتجاهات الوزراء السياسية، ومدى كفاءتهم، وأسئلة موازية عن الفريق الرئاسي والتغييرات الصحفية، والمواجهات مع الإعلام و"العسكري".. ونحوها من القضايا الملحة التي انغمسنا فيها بفعل نخبة تائهة تسيطر عليها "ثقافة سكونية"، كما وصفها مفكرنا الراحل "د. زكي نجيب محمود" تلك الثقافة التي تظهر مثقفين جمعوا "معلومات" تلوكها ألسنتهم ولم يحصلوا "علمًا" يقود حركة الحياة في بلادهم، وجمعوا "أفكارًا" يملأون بها صفحات الكتب ومسامع الناس، ولم ينتجوا "فكرًا" يصنع إرادة مجتمعية للتغيير والتفوق.
هذه مشكلة كبرى، ولو ظللنا نتداول الوفاق والخلاف مع هذه النخبة فسنظل في أماكننا لا نبارحها إلا إلى الخلف حتى نخرج من حركة التاريخ إلى التبعية والتخلف.
لقد استحوذت المشاغبات النخبوية على كل الأقلام والعقول، ووضعتها في "ملعب التفاصيل اليومية", ولكن مجتمع ما بعد الثورة هو أحوج ما يكون إلى الإجابة على أسئلة كبرى، حتى يتم البناء على هديه.
من نحن؟ ما أهدافنا؟ وكيف السبيل لتحقيقها؟.. هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون أمامنا ونحن نبدأ أولى خطوات البناء.
أولاً: مَن نحن؟
فلقد أخذتنا ثقافة التشرذم إلى أودية وأزقة، تاهت فيها الثورة عن واجباتها الكبرى، وأولها: تحديد طبيعة الدولة؛ إذ ينبغي أن نسأل أنفسنا أكبر سؤال سياسي:
هل نبني دولة (طبيعية) أم دولة (ذات رسالة)؟ أي.. هل نستهدف دولة يقف آخر اهتمامها عند حدودها؟ أم نريد دولة لها تأثير إقليمي؟ أم نستهدف دولة لها تأثير عالمي؟
هذا السؤال لم يكن غائبًا عن الثورات الكبرى الإنجليزية والفرنسية والأمريكية، بل ولم يكن غائبًا عن "المانيفستو الشيوعي"، وكل هؤلاء قرروا، ومنذ اليوم الأول، أنهم يستهدفون أممًا ذات رسالة إنسانية، وقام حكماؤهم بوضع هذه الأفكار وصاغوها في "إعلان إستقلال"، أو في "وثيقة حقوق إنسان" أو في "مانيفستو", وكانت هذه الغايات الكبرى تعلو على "الدستور" وتسبقه، بل ويستقي "الدستور" منها وجوده وتفاصيله، ولكننا تدحرجنا إلى مناقشة ثنائيات شيطانية عقيمة تستدعي الصراع الوطني من أول يوم، ولا تستدعي الحكمة أو التسامي على الخلاف في التفاصيل.
لذا على "مصر" أن تتنبه للحظة الفارقة وتختار.. إما أن يؤسس حكماؤها لدولة تستلهم طريق الكبار وإما أن تكتفي بأن تشيد كيانًا صغيرًا مستقلاًّ.
إما أن تختار أن تضع نفسها رأسًا برأس مع أمريكا وفرنسا وألمانيا والصين، وإما أن تكتفي أن تكون كدول إفريقيا أو أمريكا الجنوبية التي نالت استقلالها وظلَّت وستظل تعاني من مشكلات الصغر وتواضع الحجم والتأثير.
إنه قرار ينبغي اتخاذه من البداية؛ لذا ننصح مؤسسة الرئاسة أن تنشئ جوًّا عامًّا من الجدية يستدعي أهل الفكر والرأي الحقيقيين الذين يضخون الدماء النقية في شرايين الوطن وتنقلنا إلى حالة الحركة، ولا مانع من مجاملة النخبة الحالية بالمناصب والمزايا التي تكفيهم حتى ينشغلوا بدنياهم بعيدًا عن مراكز التأثير، وعلى القيادة الوطنية أن تدرك مبكرًا أن "الفكر الصحيح" هو عصب تقدم الدولة، وأن "الرؤية" ينبغي أن تسبق "القرار"، وأن بناء إستراتيجية الدولة تسبق تشييد مصانعها.
إن الاستجابة للصخب الإعلامي و"النصب العلمي" سيجعل المسيرة مرتبكة، كما أننا ينبغي أن نبذل كل الجهد لإبراز أهل العلم الذين اختفوا قسرًا بفعل الاستبداد، ولا ينبغي أن يخدعنا المشاهير من أمثال "زويل" و"فاروق الباز"، إلا بقدر عطائهم الجاد، لا بقدر زيارات الرؤساء وصور الفضائيات.
فمن يريد خدمة الوطن فقد عرف الطريق.
كما لا ينبغي أن نظل متعلقين بأشخاص، في وقتٍ عرف العالم سر النجاح في "فرق العمل" المتكاملة في كل المجالات.
قد نرى أن مهمتنا صعبة إذا شغلنا أنفسنا بتطهير أجهزة الدولة وبأسماء الوزراء، وأسماء رؤساء التحرير.. إلخ.. لكن كل هذا لا يمثل الصعوبة الحقيقية في المهمة، الصعوبة في أن ننجح في تشكيل جيل من الحكماء يستطيعون توجيه بوصلة الدولة وطبيعتها حتى يكون السير صحيحًا ونحو الهدف.
السؤال الثاني: ما أهدافنا؟ وما السبيل لتحقيقها؟
هذا هو السؤال الكبير الثاني: هل سمع أحدنا إجابة عليه؟ بالطبع لا.
لأن نخبنا أخذتنا في صراع على "الدستور" كأنه الهدف الأسمى وطوق النجاة، مع ان "الدستور" سيظل حبرًا على ورق دون تحديد الأهداف الإستراتيجية للدولة.
لقد شغلونا بخطورة أن يتحكم فصيل واحد في كتابة "الدستور"، وبأن "الدستور" ينبغي أن يكون "توافقيًّا"، وأنه الوثيقة الأهم في حياتنا، وليس الأمر كما ذكروا؛ لأن الدستور لا ينبغي أن يكون توافقيًّا، ولا أن تكون قاعة كتابة الدستور هي قاعة "فرقاء سياسيين" يحاولون "التوفيق" فيما بينهم لكتابة "الدستور".
إن "الدستور" يجب أن يكون "إجماعيًّا", وناتجًا من الحراك الشعبي الطبيعي؛ ذلك إذا أردنا أن يُعبِّر عن شعبٍ واحد!.
فالدستور يُعبِّر عن الشعب، وليس عن القوى السياسية، يُعبِّر عن هوية الشعب وليس عن انحيازات نخيته فكريًّا؛ لذلك كان ينبغي أن يكون هنالك الحكماء الذين يرسمون خريطة هوية الوطن كما هي، بلا أهواء، ولا انحيازات، لتصبح هي "وثيقة الثورة والاستقلال".. وثيقة تحدد هويتنا الإسلامية المراعية للتنوع، وثيقة تنتصر للحريات، وتحدد رسالة السلام التي نرسلها لكل الناس، وتتمسك بالحقوق والمقدسات ولا تُفرِّط فيها، تنتقد قيم العولمة؛ لتعلن عن مقدم قائد حضاري جديد يرفض ظلم الحضارة القائمة في العالم ويتجاوب مع قيمها السامية، أردنا أن نُسمع كل المظلومين أنهم وجدوا ظهرًا يتكلم باسمهم ويدافع عن قضاياهم.
أردنا وثيقة تحفز أبناء الأمة في كل مكان في العالم أن يكونوا على قدر مسئولية أمتهم الفتية الجديدة، فلا يكونون مهاجرين أو أغرابًا أو فارّين من جحيم البطالة، بل حَمَلة مشاعل حضارة جديدة لها أصول عتيدة، تستلهم مواطن الخير وتكون أول مَن يناصرها ويحملها.
ما زلنا نريد هذه الوثيقة.. ما زلنا نريد تحديد أهداف الوطن ووسائل تحقيقها.
ما زلنا نريد احتضان العلم وإعلاء شأن العقل واستلهام عظمة ما لدينا من نصوص مقدسة، وخبرات ضاربة في أعماق التاريخ.
أمل
الأمل أن يطور شباب الثورة أفكارهم فيما يتعلق بشعار "الثورة مستمرة"، وألا يقصروا هذا الشعار على فعاليات سياسية رافضة أو معارضة، ولكن عليهم أن ينظروا إلى الغايات الكبرى ويبدءوا الحوار حولها، أمامنا تحدي الديمقراطية، فأي ديمقراطية سنمارسها؟ هل الديمقراطية الغربية بكل تفاصيلها وعيوبها التي تنذر بانهيار الدولة؟ أم نجتهد في نموذج ديمقراطي يستلهم مزايا التجربة الغربية, ويؤصل لخصوصية مصرية؟
أمامنا تحدي "التطور والتقدم".. فهل سنكتفي بمطالبة "الحكومة" بهذه المهمة العظيمة؟ أم أننا سنجتهد لتقديم "منظومة كاملة لتقدم الوطن ونهضته"، تعمل الحكومة من خلالها, ويمارس الشعب دوره في إطارها؟
أمامنا وضعنا الإقليمي المتشابك، وصراع الوجود مع الصهاينة شرقًا، وصراع الحياة والمياه جنوبًا، وأوضاع عربية مرتبكة ومرتابة في ثورتنا، فهل سنكتفي بإلقاء المهمة على وزارة الخارجية؟
أم سننتج خارطة طريق يتفق على محاورها كل المخلصين، ثم نحاسب التنفيذيين على الإداء.
إن المسائل الكبرى ما زالت تنتظر إجماع حكماء وفلاسفة الوطن, وقياداته الثورية؛ الذين لم يتقدموا الصفوف بعد.. فهل سيتقدمون؟
----------