إن ما تشهده مصر الآن هو حلقة في سلسلة الصراع الدائم بين التحديات التي تشهدها الأمم والواجبات المفروضة عليها، وبقدر تغلب أحدهما على الآخر يتحدد ملامح المستقبل إما بالتهام التحديات لآمال المستقبل والعودة لعهود الظلام أو إعلاء الواجبات كقيمة والانتصار لها، وبذلك تُبنى الأمم وتقيم نهضتها.

 

بين هذا وذاك يدور الصراع في الساحة السياسية المصرية الآن، فبكل أسفٍ فهناك مَن يسعى وبكل قوةٍ لاختلاق التحديات وتعظيم القائم منها ويحاول عرقلة التقدم على أي مسار في إطار محاولته إعادة استنساخ النظام القديم.. وفي المقابل هناك مَن يبذل جلَّ جهده للقيام بواجبه تجاه وطنه ومواطنيه بغض النظر عن انتمائه السياسي أو العقائدي فهو يقوم بذلك عبادةً لله وحبًّا لوطنه.

 

إن من أهم وأصعب الفترات التي تمر بها الأمم فترات التحول من الحكم الشمولي الدكتاتوريإلى حكم ديمقراطي شوري تعلى فيه منظومة القيم والحريات التي أهدرت لسنوات طوال؛ إذ إن المعوقين من المنتفعين من النظم الدكتاتورية والمتربحين منها يبذلون قصارى جهدهم وطاقتهم للإبقاء على الأوضاع السيئة والأجواء الموبوءة التي منها يتربحون وعليها يقتاتون وفي سبيلها يقدحون ويذمون.

 

ويستخدم هؤلاء في خصومتهم كل الأسلحة والأساليب غير الشريفة في النيل ممن أمامهم ولا أقول خصومهم، ولكن كل مَن أمامهم ويُعرِّض مصالحهم للخطر، فهم يحاولون هدمه ولو كان الوطن نفسه بكل أسف.

 

إنني أتفهم أن يكون هناك خلاف فكري أو سياسي، قد يصل في مرحلةٍ ما لحدة أو خصام ثم ما تلبث أن تسود روح الود والمحبة والمصالح العليا بين الجميع ويُغلب الجميع مصالح الوطن على المصالح الشخصية، ولكن أن تصل الخصومة لمحاولة تهديد الوطن ومصالحه فهذا أمرٌ غير مقبول ولا يمكن أن يكون هذا جو بناء وتنمية.

 

إن ما نشهده الآن من حملات إعلامية مركزة وموجهة لكل اختيارٍ شعبي ومحاولة تسفيهه أو تعويقه أو تفريغه من مضمونه، على يد بعض المنتفعين من النظام السابق وزبانيتهمن خلال الابتزاز والتشهير والبلطجة السياسية ومحاولة قطع الطرق على صناع القرار، ما هو إلا محاولة يائسة منهم لعرقلة عملية التحول الديمقراطي وتعظيم الإرادة الشعبية وخياراتها بعد أنلفظهم الشعب مراتٍ ومرات.

 

ووصل الأمر لحدِّ الاستئساد بالتطاول على أول رئيس جمهورية منتخب في تاريخ مصر ممن لم يعرف عنهم جرأة ولا شجاعة في مواجهة ظلم وطغيان النظام السابق، وإنما عهدناهم حملانًا وديعةً للنظام الفاسد، وكل الجهود التي بذلوها إنما كانت فقط للانضمام إلى الحاشية الفاسدة واستجلاب رضاها.

 

إن التعدي والتطاول على رئيس الجمهورية واستخدام بعض وسائل الإعلام الفاسدة لتشويه صورة أي إنجازات للثورة ورجالها ووضع وصناعة العراقيل أمام أي تقدمٍ يحدثليس أمرًاعاديًّا، ولكنه يُثير تساؤلاً كبيرًا حول الأهداف الحقيقية وراء ذلك وسؤالاً أخطر حول هوية الجهات التي تقف وراء ذلك، فهؤلاء خبراء هدم وفرقة وليسوا دعاة بناء ووحدة.

 

إن هذا التوصيف المؤلم للواقع الذي نعيشه لا ينبغي أن تكون مصدرًا للإحباط واليأس؛ لأنها تعكس حالةَ الارتباك المتوقعة في بداية تأسيس النظام الديمقراطي، وفي مرحلة كهذه لا ينبغي أن تتوقع قيامحياة سياسية كاملة الأوصاف، وإنما يتعين علينا أن نصبر بعض الوقت لكي تصحح مختلف القوى السياسية مسارها وتُنضج مشروعها وتلفظ الدخلاء والمتحولين، وتتماسك لتسهم بشكلٍ جاد في تأسيس النظام الديمقراطي الجديد، ومن ثَمَّ تنشغل بمستقبلالوطن بدلاً من الاستغراق في التجاذبات التي تعطل التقدم والبناء.

 

إن الواجب علينا جميعًا الآن التوحد خلف رئيسنا المنتخب والمؤتمن على مصالحنا، وأن يبذل كل منا واجبه دون النظر لحقوقه، في هذه المرحلة على الأقل، وأن يكون لنا شرف المشاركةفي بناء دولتنا الحديثة بجهدنا وعرقنا، وأن نسد الثغرات لا أن نفتحها، وأن نعترف بالآخر ولا نُقصيه ونبتعد عن التخوين، ونُعلي قيمة الخلاف البنَّاء الذي يدفع للبناء وليس الهدم.

 

إن مصر في حاجةٍ لنا جميعًا، وفي حاجةٍ لجهدنا وخبراتنا وعلمنا وعملنا، فهذا حقها علينا وواجبنا تجاهها بل وتجاه الأمتين العربية والإسلامية، إذ إن في نهضة وتقدم مصر نهضة وتقدم لهما، فمصر هي قائدة ورائدة العالمين العربي والإسلامي ومحط نظرهما، فهذا هو قدر مصر ومكانتها.. فلنتعامل مع الأحداث بأكبر قدرٍ من المسئولية التاريخية، ولنتخل عنالنظرات والمصالح الحزبية الضيقة،وليؤد كل منا واجبه ويفرغ أقصى وسعه في نهضة بلده وإعادة بنائها.

 

ما أسهل الهدم وما أصعب البناء! ما أسهل التجريح وما أصعب الاعتراف بالفضل! ما أسهل التفريط في الثوابت وما أصعب المحافظة عليها! ما أصعب الثبات عند الشدائد وما أسهل التلون والتميع عندها! فليحدد كلٌّ منا وجهته ومستقبله.. بل هويته.