ما أجمل أن يعيش الإنسان في ظلِّ المبادئ والقيم والأخلاق يلتزم بها وينزل عليها ولو خالفت هواه أو مصالحه الشخصية الآنية، وما أتعسه لو قدَّم هواه وأنانيته على المبادئ وعلى المصالح العامة العليا.

 

وهذه الحقيقة كما تسري على الفرد فإنها تسري على الجماعات، وعلى الدول بل على العالم أجمع، فما نعانيه الآن إنما هو ثمرة مرة لتقديم الأهواء والمصالح على المبادئ والأخلاق، ففي الوقت الذي يقرر العالم حق الشعوب في الحرية وتقرير المصير نجد العدوان عليها واحتلال أراضيها وقتل أفرادها في كثيرٍ من البقاع، وكذلك يدَّعي الحكام جميعًا إيمانهم بحق الشعوب في حكم نفسها وتطبيق الديمقراطية نجد عددًا غير قليل منهم يفرض نفسه على شعبه بالحديد والنار وبالتزوير والغش.

 

ولا ريب أن الوطنية شعور نبيل وقيمة عالية يدعيها الجميع وتلهج بها الألسنة غناءً وشعرًا ويهيمون فيها حبًّا وعشقًا، ومقتضاها أن يقدم كل فرد مصلحة الوطن على مصلحته الشخصية، ويُضحي من أجل رفعته بالغالي والنفيس ولو وصل إلى حدِّ التضحية بالنفس والمال والأهل، ويتجنب كل ما من شأنه أن يسيء إليه أو يؤدي إلى فساده أو يتسبب في تأخره ليس ذلك فحسب بل يأخذ على يدي كل مَن يحاول ذلك باعتبار الوطن هو السفينة التي تقل كل أفراد المجتمع، فلو سمح لبعضهم أن يعبثوا بها أدَّى ذلك إلى غرق السفينة بمن عليها، وهو التشبيه الرائع الذي شبهه النبي صلى الله عليه وسلم للوطن والمجتمع.

 

وكذلك الديمقراطية هي مبدأ أصيل يُرجع الحق للشعب في اختيار حكامه بإرادته الحرة ومراقبتهم، وحقه في التمتع بحرياته بكل أنواعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحقوقه في الحياة والكرامة، كما أنه مبدأ من شأنه أن يحسم الخلاف بأن تنزل الأقلية على رأي الأغلبية في الانتخابات والاستفتاءات وكل خلافٍ في الآراء والمواقف.

 

ولو احترمنا هذين المبدأين لتجنبنا كثيرًا من النزاعات والصراعات التي تدور للأسف الشديد في مصر هذه الأيام، لكن هناك مجموعات تقدم الأيديولوجيات السياسية والخلافات المذهبية والشخصية على مصلحة البلاد العليا، فهناك مَن يتطلع لإعادة النظام البائد لارتباط مصالحه بهذا النظام، وهناك مَن تدفعه كراهيته لتيارٍ معين إلى محاولة إفشاله في الوصول للحكم، وإذا أوصله الشعب لذلك تنكر لإرادة الشعب وسعى للإفساد في الأرض لإسقاط التيار الذي يكرهه، وهذا الإفساد يشمل الإفساد المادي والمعنوي، من أجل ذلك نرى عديدًا من المسئولين الرسميين والموظفين الحكوميين، إضافةً لبقايا النظام السابق يعوقون برنامج المائة يوم الذي وضعه السيد الرئيس لإقرار الأمن وتحقيق النظافة وتوفير الخبز والوقود، فيعمدون إلى زعزعة الأمن في بعض المحافظات بإطلاق البلطجية وقطع الطرق، وإلى نشر القمامة في كل مكان حتى في الأحياء الراقية من القاهرة وإلى قطع المياه والكهرباء وإلى افتعال أزمات البنزين والسولار، فهل هذا كله من الوطنية؟ وهل تخريب الوطن وإيذاء الناس من مكارم الأخلاق؟، وهل هذا من شرف الخصومة السياسية؟، وهل مبدأ الديمقراطية يبيح هذه الجرائم؟

 

ألم يعلم هؤلاء أن إماطة الأذى عن الطريق صدقة؟ كما قال النبى صلى الله عليه وسلم، وأن رجلاً وجد غصن شوك في طريق الناس فأزاله فشكر الله له فغفر له؟؟ وأن الله تعالى يقول (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (58)) (الأحزاب).

 

أما الإفساد المعنوي فيتمثل في الدعاية الإعلامية التي يروجها بعض الإعلاميين عن السيد الرئيس والهجوم الظالم وافتراء الأكاذيب والأسلوب المسف الذي وصل إلى حدِّ السب والقذف، فهل نشر الأكاذيب- ولو كان حول الخصم السياسي- من الوطنية أو من المبادئ والأخلاق أم من الأهواء والأحقاد؟ ألم يقرءوا قول الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)) (ق)؟، والغريب أن يأتي ذلك كله ممن كانوا يسبحون بحمد النظام السابق وينافقون الرئيس المخلوع ووريثه المزعوم ولم يخفوا حزنهم وحسرتهم على سقوطه.

 

إنّ توجيه النصيحة أو النقد البناء من الأمور الإيجابية المرحب بها أما الحرب غير الأخلاقية فهي مرفوضة من كل صاحب مبدأ ودين.

 

إنّ شرف الخصومة يدفع إلى التنافس الشريف في مجال الخدمة العامة والتواصل مع الشعب واحترامه واحترام إرادته للحصول على ثقته، أما محاولة عرقلة الخصم ولو على حساب مصلحة الوطن بنشر الفساد المادي والمعنوي فهي جريمة بكل المقاييس، ولن يحيق المكر السيئ إلا بأهله.. (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد: من الآية  17).

 

----------

* المتحدث الإعلامي باسم جماعة الإخوان المسلمين