فكرية وتربوية
فتوحات تربوية
الأحد 22 يوليو 2012 03:03 ص
كتب: بقلم: عزة مختار
مرت على الأمة الإسلامية فترات طويلة من الابتلاءات والمحن كادت تعصف بها لولا أن تعهد الله عز وجل بحفظ هذا الدين وجعله الدين الخاتم وجعل امة النبي محمد صلي الله عليه وسلم هي حاملة هذه الأمانة إلي يوم الدين، فأصبحت أمة تستعصي علي الفناء والاندثار، وأصبحت أمة لا تموت، ربما تمرض قليلا لكنها سرعان ما تنهض وتستعيد عافيتها وتسترد مكانتها المنوطة بها في قيادة العالم وريادته، واليوم نشهد بأعيننا تلك الانتفاضة الرائعة للأمة الإسلامية بعد أن ذاقت الشعوب طعم الحرية المختلطة بدماء أبنائها، فأصبح مذاقها عندهم أحلي من لقمة عيش مغموسة بالذل والخنوع حتى ولو كان الثمن هو بذل الدماء، ولقد دفعت الأمة اليوم الثمن كاملا وهي في لحظات انتظار النتيجة النهائية وقطف ثمار الحرية الغالية من علم ورفعة وتقدم وبناء حضارة تليق بأمة أول كلمة أنزلت علي نبيها " اقرأ " .
لكنها سنة الله في الأرض أن تكون فترة الانتظار تلك مشوبة بالضبابية، فالجميع ينهض ويتحفز ويثور وينتظر، متى النصر، وكيف هو السبيل إليه في ظل تلك الأجواء الغامضة؟ كيف هو السبيل وكل المعطيات تقول أن الحق محاصر من كل الجهات، وهو وإن كان كثير في العدد إلا أن أهله هم المستضعفين في الأرض، لا يملكون الإعلام الذي ينفخ في كير الفتن ويزين الباطل ليكون حقا ويحاول طمس الحق ليضيع في قضايا جانية يبتدعها هو كي نحيد عما نبتغي، ولا يملكون الأموال التي تنفق ببذخ هنا وهناك كي تشتري الفقراء والمحتاجين فيبيعوا شيئا من ضمائر ماتت مع الجوع والمرض والحاجة، لا يملكون أي من متاع الدنيا إلا القليل، لكنهم مع هذا يملكون ما لا يملكه غيرهم، يملكون وعد الله الذي قاله في كتابه العزيز " ونريد أن نمن علي الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " . ويسوق لنا الله عز وجل في كتابه العزيز آيات تلو آيات ودروس توضح معالم ذلك الطريق كي يتعلم المؤمنون في كل مكان، المؤمنين من أبناء هذه الأمة المباركة،...............
في قصة سيدنا نوح عليه السلام يدعو قومه ليلا ونهارا لمدة تسعمائة وخمسون سنة فلا يؤمن معه إلا القليل، وحين توشك يأذن الله عز وجل بالنصر لعبده وللفئة المؤمنة التي تحملت وصبرت وثبتت فيأمر نبيه بصناعة سفينة النجاة.
وكما ثبتت الفئة المؤمنة علي إيذاء المشركين مئات السنوات، استجابوا لأمر ربهم دون نقاش رغم أن الأمر محير من وجهة نظر البشر الضعفاء قليلي الحيلة، فنوح وقومه يعيشون وسط صحراء قاحلة ليس بها مجاري مائية وليست كذلك قريبة من أي بحار، ينفذ المؤمنون الأمر وسط دهشة شديدة وتعجب من الكفار، أي سفينة يصنعها نوح وسط تلك الصحراء، أين ستبحر؟، وتمر سنوات طوال تلاقي فيه الفئة المؤمنة من عنت الكافرين وسخريتهم الكثير والكثير، ويضعف البعض ويتساءل : إلي أين المسير وكيف النجاة؟ نعم نحن نحمل الحق، نعم نحن أصحاب رسالة، نعم نحن موقنين بأن الله سوف يأتي بالنصر، لكن وسط كل هذا الضباب كيف؟ كيف ولا وسيلة، ولا بشائر، ولا قوة لنا علي القيام بالأمر، ومنهم من قال : لن يضيعنا الله ولن يخذلنا، كلما علينا التنفيذ بدقة وبذل كل الجهد وترك النتيجة علي الوكيل، نعم نحن ضعفاء لكننا نتوكل علي القوي، نعم نحن لا نحسن التدبير لكن معنا الحكيم القدير، نعم تتكالب علينا الألسنة بالسخرية والاستهزاء والازدراء والاتهامات، لكن معنا كلمة أخري من الله عز وجل " ونريد أن نمن علي الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين "، فيسير ركب المؤمنين نحو الهدف غير آبهين لتلك الأصوات التي سوف يخرسها الله عز وجل، تري ماذا كان سوف بحدث لو خضعت تلك القلة المؤمنة لتلك الأصوات الساخرة؟ لو تأثروا بها سلبيا ورضخوا أو خجلوا أن يصنعوا سفينة وسط صحراء؟ .
لم يستسلموا رغم كل التضييقات الشديدة وشرعوا في العمل الجاد، وكانت سفينة كبيرة جدا بحيث تسع كل المؤمنين، ومن كل زوجين اثنين، وفي اللحظة الحاسمة حيث يأمر الله عز وجل جنوده بأن تتحرك لتنصر الحق وتحقق كلمة الله عز وجل في الأرض ، وهناك لابد من أن يجتمع المؤمنون علي وسيلة واحدة كما اجتمعوا من قبل علي هدف واحد ، لحظة طالما انتظروها معا حين جمعتهم آلام واحدة، وأهداف واحدة، وحب بينهم مقدم علي حب الأهل والولد، حتى تصير كلمة الأهل تعني كلمة أخي في الله، ويصير ابن نوح الذي أبي أن يستمع إلي كلمة الإيمان ليس ابنا لنوح لأنه عمل غير صالح " ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ( 45 ) . ( قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين 46 "، وتكون إشارة البدء هي فوران التنور " حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ( 40 ) ) " .
وهنا لطيفة من لطيف صنع الله ونعمته وفضله على عباده المؤمنين، يخفى عنك مصدر رحمته فيحميك، قد تضعف وقد تتساءل وقد تتراجع قليلاً، لكنك حتمًا ستعود ولن يسقط إلا المذبذبين، وحين تأتي لحظة المدد الغالية سوف تسجد لله شكرًا وتندم على كل لحظة ساورك فيه الضعف أو الشك، قد تتسلط عليك وسائل إعلام كاذبة لا تخشى الله وأنت حائر لا تدري كيف تستر نفسك من ألسنتهم التي تقطر السمَّ الزعاف، وقد تتسلط عليك أحزاب خسرت مصداقيتها بعدما باعت قضايا الناس في سيبل عرض من أعراض الدنيا فرمت بنفسها في أحضان الأنظمة الفاسدة وتريد اليوم أن تحصد ما غرسه غيرها، بل تريد أن تفسد ما تصلحه أنت في سبيل إفشالك دون النظر إلى مصلحة البلاد والعباد حتى لو انهار الصرح على من فيه، قد يكذبك الناس وأنت الصادق، وقد يخونونك وأنت الأمين، وقد يتهمونك بأبشع الاتهامات وأنت من ضحيت بعمرك كله من أجلهم، قد يتآمرون عليك وأنت الساهر في سبيل إسعادهم وحريتهم وكرامتهم ولقمة عيشهم، بينما أنت تقف عاجزًا عن مواجهة كل تلك الفتن، حائرًا متسائلاً: "متى نصر الله؟".
وقد تكون كل تلك الأحداث وأنت لا تدري حاملةً في طياتها الخير لك كل الخير، ربما تحمل الأحداث في باطنها الرحمة وقد كنت تحسبها العذاب، تأمل وثق في نصر الله ومؤازرته للفئة المؤمنة التي تذود عن دينه وتحمل في قلبها هم نصرة دينه والتمكين له في الأرض، ويلحق المؤمنون بالسفينة، أي سفينة تجمع على متنها وفي رحابها قوافل المؤمنين العاملين، ويأتي وعد الله الحق (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر* وفجرنا الأرض عيونًا* فالتقى الماء على أمر قد قدر* وحملناه على ذات ألواح ودسر* تجري بأعيننا جزاءً لمن كان كفر).
ينفجر المكان بثورة تقتلع فرعونًا ونظامًا من جذوره طالما حسبنا أنه لن يزول، تتفجر الأرض فتخرج رجالاً يقتلون طاغيةً كالجرذان فيموت ميتةً يستحقها، وتتوالى الانتصارات وتتوالى الإمدادات الربانية، ربما تتلاعب الأمواج بالسفينة بعض الوقت حتى ترسو على بر الأمان، وهنا أيضًا قد يضعف البعض، وماذا بعد؟ ركبنا السفينة والتقى الماء على أمر قد قدر، لكن السفينة ما زالت تهتز، إلى أين؟ وكيف سنرسو؟ لتأتي الطمأنة الإلهية: ألستم على الحق؟ ألستم من تحملون كتاب الله؟ ألستم سائرين على درب الأنبياء من قبلكم؟ فلا تخافوا "بسم الله مجريها ومرساها"، فمن أمركم ببناء السفينة وأجرى لكم الماء في الصحراء لم يفعل ذلك سوى أنه أراد بكم خيرًا، وكما دبر الله عز وجل بناء السفينة وخروج الماء من الأرض وهطوله من السماء، أمر الأرض أن تغيض ماءها، ويغيض الماء لينحسر عن الأرض ببطء برحمة الله حتى لا تتحطم السفينة، والسماء أن تقلع عن أمطارها فترسو السفينة بأمان على بر الأمان.
لقد كنتم تسألون الله الفوز من أول جولة ودخلتم جولة الإعادة في الانتخابات، ولو حدث ونجحتم من الجولة الأولى لكان انحسارًا للماء بشدة فتنكسر السفينة، لكنها إرادة الله عز وجل الرحيمة الحكيمة، يغيض الماء ببطء فتتجمع القلوب عليكم بعدما صارت المعركة بين طرفي النقيض، وهكذا يحرك الله عز وجل كل شيء بقدر في اتجاه مصلحة الفئة المؤمنة، والتي لا نستطيع أن نقف أمام تلك الحكمة الإلهية إلا مشدوهين بالقدرة الربانية والرحمة الإلهية.
فإلى الأمام أيها لأحباب باذلين كل الجهد في تنفيذ مشروعاتكم النهضوية غير آبهين لما يحاك لكم من مؤامرات، فلسوف يكفيكهم الله وهو ولي ذلك.