امتن الله على أمتنا الإسلامية بمنن كثيرة يصعب عدها أو إحصاؤها ولا أدل على ذلك من قول الحق سبحانه يقطع السبيل عن ذلك فيقول (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) (إبراهيم: من الآية 3)، من هذه النعم أيام النفحات والنسمات التي أهلت وأطلت علينا بتباشيرها ونسماتها ونفحاتها ألا وهي أيام رمضان التي هي من أفضل أيام على الإطلاق ولم لا وهي أيام الطاعة والصيام والزكاة والقيام ولقد خصها الله بمزايا عديدة وأجزل فيها الثواب لعباده الصائمين القانتين الذاكرين الشاكرين وها هو مولانا يؤكد وجوب الصيام علينا في كتابه فيقول سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)) (البقرة).
ويحدد الوعاء الزمني لهذه الأيام ألا وهو رمضان فيقول سبحانه (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: من الآية 185)، بل إنه سبحانه كما في قدسي الأحاديث يؤكد أن الصيام هو العمل الباطني الذي اختص ذاته بالاطلاع عليه فيقول النبي الكريم صلى الله علي وسلم فيما أخرجه الإمام مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به والصوم جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم مرتين والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وللصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي لربه فرح بصومه".
والصيام والقرآن يأتيان شافعين يوم القيامة كما جاء فيما أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان".
فهي أيام امتزجت فيها الطاعات بروحانية الإيمان والصدقات أيام فضلت لذاتها وفضلت لما نزل فيها وفضلت لفضل من تنزلت عليه فيها.
أما فضلها الذاتي فهي أيام الطاعة والصيام والزكاة والتصدق والقيام وأما فضل ما نزل فيها فهي الآيات البينات المحكمات المتشبهات التي أعجزت الفصحاء والحكماء والأدباء والبلغاء والعلماء والتي يتحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه الإمام علي بن أبي طالب أنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ألا أنها ستكون فتنة قلت فما المخرج منها يا رسول الله قال: "كتاب الله فيه نبا ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغي الهدي في غيره أضله الله هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم لا تزيغ به الأهواء لا تلتبس به الألسنة لا يشبع منه العلماء لا تنقضي عجائبه لا يخلق عن كثره الرد هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا من قال به صدق من حكم به عدل من دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم".
ولقد تحدى الله به الثقلين الإنس والجن مجتمعين على أن يأتوا بمثله وأثبت هذا التحدي في كتابه لما قال سبحانه (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)) (الإسراء)، ولا يزال هذا التحدي قائمًا دون أن يتقدم عاقل ويقول إنه استطاع أن يكتب كتابًا مثل القرآن.
ويلخص ابن عطية الإعجاز والإيجاز في القرآن فيقول إن القرآن هو الإعجاز الخالد أحاط الله به جملةً وتفصيلاً حتى أنك لو نزعت لفظة من كتاب الله وأجهدت اللسان الإنساني كله على أن تأتي بلفظة مماثلة ما استطعت لذلك سبيلاً.
وأما فضل من تنزلت عليه فيها فهو سيد الدنيا وشافعها صلى الله عليه وسلم الذي لو لم يكن للأمة من فضل لها إلا أن نبيها محمد لكفاها ذلك الفضل فهو الذي أكد مولانا مكانته فقال له (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)) (الضحى)، وأكد منزلته فقال عنه سبحانه () ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8)) (النجم)، وأكد رحمته بالمؤمنين فقال سبحانه (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: من الآية 128)، ولخص الدعوة كلها فقال سبحانه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107)) (الأنبياء)،
لذا ما أحوجنا أن نتوجه إلى الله في هذه الأيام المباركات بالتوبة والأوبة والعمل الصالح لنصرة ديننا ورفعة بلادنا وليخشع منا القلب ولتدمع منا العين ولنقل مثل القائل:
أنا مخطئ أنا مذنب أنا عاصي هو غافر هو ساتر هو كافي
قابلتهن ثلاثة بثلاثة ولتغلبن أوصافه أوصافي