لا يمكن أبدًا تخيل مشاهد التعذيب والقتل الجماعي واغتصاب الفتيات وذبح الأطفال أمام أمهاتهم، والتي يتعرض لها أشقاؤنا المسلمون في بورما في ظلِّ تغافل إعلامي وصمت دولي، حتى المنادون بحقوق الإنسان وقفوا أمام تلك المشاهد التي تنفطر القلوب لها، وكأنَّ لسان حالهم يقول "لا نسمع، لا نرى، لا نتكلم"، بيد أن خريف الإبادة الجماعية لمسلمي بورما قد بدأ، وما زال الإعلام العربي والدولي يغض الطرف عن كل الجرائم التي ترتكب يوميًّا بحق المسلمين هناك، ولم تتخذ دولة عربية كانت أو إسلامية أي موقف فعال حيال تلك الجرائم ولا نعرف ماذا نقول سوى قول الشاعر" نعيب زماننا والعيب فينا... وما لزماننا عيب سوانا".

 

وكأنَّ التاريخ ما زال يعود بنا للوراء ومسألة التطهير العرقي للمسلمين هي الغالبة على كل الدول العنصرية، ولا ذنب لأهل بورما أو "ميانمار" سوى أنهم حصلوا على جزءٍ ولو بسيط من حقوقهم في دولة لا تعي معنى كلمة المواطنة، وكأنَّ البوذيين الذين لا يعرفون للحق طريقًا، أو للإنسانية معنى، يستكثرون عليهم العيش على أنهم بشر لهم ما لهم من حقوق البشر، حكومة بورما تتعامل مع المسلمين هناك على أنهم وباء، لا بد من التخلص منه في أقرب وقتٍ ممكنٍ حتى لا يتفشى في باقي الدولة، أي إنسانية تلك وأي حقوق يزعجنا بها بعض الصارخين بحقوق الإنسان يومًا بعد يوم، أين هذه الأبواق التي تتغافل عمدًا عن حقوق المسلمين الذين يتعرضون لجميع أنواع الانتهاكات دونما ناظر إلى حالهم أو حتى متحدث عنهم؟، وأين نحن وإعلامنا من كل هذه الأمور؟، اقشعر بدني وأنا أقرأ حوارًا لأحد الفتيات لدولة بورما، والتي تدرس الشريعة في مصر، حينما سألت "أين المسلمون، فأهلي يقتلون؟ أليسوا أكثر من مليار مسلم، فلماذا الصمت إذن؟.

 

واستطردت قائلة: ولكن على أي حالي كفنا فخرًا أننا نموت شهداء، وسيكتب التاريخ الإسلامي أن الموت أسهل عند شعب بورما من ارتكاب المعاصي، فكثيرًا ما يتم تخييرنا بأن نشرب الخمر أو نأكل لحم الخنزير أو الموت وطبعًا نختار الموت" وبكت قائلةً: "ابنة خالتي ظلال جيش يغتصبها لمدة ثلاثة أعوام وأنجبت طفلين لا تعرف أبًا لهما".

 

هذا هو شعب ميانمار أو بورما، يعيش ليس إلا أن يدافع عن دينه، ويدفع حياته ثمنًا لهذا الدفاع، تعرض من الظلم ما لا يحتمله حيوان لا إنسان، هذه الجرائم ليست بجديدة في دولة بورما، لكنها عادت تطفو إلى السطح من جديدٍ بعد إعلان الحكومة البورمية في الشهر الماضي بمن حب طاقة المواطنة لسكان إقليم أراكان المعروفين بالأقلية الرهنجية المسلمة.

 

هذا هو خطأهم الوحيد وكانت النتيجة، ثار الكثير من هؤلاء البوذيين، وقاموا بقتل عشرة علماء مسلمين إثر عودتهم من العمرة؛ حيث قاموا بمهاجمة حافلة كانت تقلهم وانهالوا عليهم ضربًا بالعصي حتى استشهدوا، ولم يكتفوا بذلك بل قاموا أيضًا باحتلال الأحياء المسلمة تقريبًا بكل ما يمتلكون من أسلحة من السيوف والعصي والسكاكين وأشعلوا نيران الغضب وأحرقوا الأحياء والمنازل التي يسكن بها المسلمون, ومن لم يمت محروقًا يواجه ما هو أبشع من ذلك وهو الذبح أو السحل والضرب حتى الموت.

 

لم يكتف هذا الذباب بفعل ذلك فحسب بل قاموا باغتصاب الفتيات على مرأى ومسمع من الجميع وعلانيةً دون خشية من حكومة العار لديهم، وما من دور تقوم به تلك الفتيات التي لم تصبها دور الاغتصاب أو حالفها الحظ للهروب سوى الانتحار وإلقاء أنفسهن في البحر خوفًا من هذه الوحوش التي لا ضميرَ ولا بشرية لديهم، وباتت الحجج هي مدخلهم للاستمرار في محرقتهم ضد المسلمين واختلقوا من الروايات ما يبدو كفيلاً لدى حكومتهم بمساعدتهم في جرائمهم، على رأس هذه الروايات قيام شاب مسلم باغتصاب فتاة بوذية رغم أنه لا يوجد دليلاً واحدًا لإثبات أقاويلهم الواهية، وحتى لو كان هذا حقيقيًّا فهل الرد على جريمةٍ فرديةٍ واهيةٍ يكون بمثل هذه البشاعة؟
أرصد لكم إحصائيات وأرقام ذكرتها بعض الصحف كدليلٍ على كم ما تتعرض له هذا الفئة المسلمة التي تتجاوز أعدادها الـ10 ملايين نسمة، وهذه الإحصاءات لا بد من الوقوف عليها لإظهار العنصرية الحقيقية والنازية الجدد في عصرنا هذا، فأبناء المسلمين في بورما يحرمون- طبقًا لدستور البلاد- من التعلم في المدارس والكليات إمعانًا في نشر الأمية، كما يحرم الخريجون القادمون من الخارج من العمل في مؤسسات الدولة بحجة أنه من الروهينجيا كما يعرفون هناك، كما يمنع المسلم من السفر إلى العمرة والحج إلا من خلال السفر لدولةٍ أخرى من خلالها يخرج لأداء الفريضة التي فرضها الله على عباده القادرين، ولا ينتقل المسلم من قريةٍ إلى أخرى إلا بإذن وتصريح كما فرضت عليهم الضرائب والغرامات المالية، ومنعت مؤخرًا الأسماء الإسلامية واستبدلت أسماء بوذية ومسيحية بها.

 

هذا على نطاق الحقوق التي من المفترض أن ينالوها باعتبارهم مواطنين، لكن الأدهى من ذلك الإحصاءات التي تظهر جرائمهم؛ حيث هُدم من 10 إلى 15 ألف منزل خلال العام الماضي، وتم تهجير من 1.5 إلى 2 مليون، وأكثر من 200 ألف مسلم قُتلوا في مذابح فردية وجماعية، إضافةً إلى 20 ألف حالة هتك أعراض واغتصاب وتحرُّش جنسي، و40 ألف سجين وحرقوا أكثر من 5 آلاف جامع ومدرسة.

 

أما على صعيدٍ آخر الإجراءات البورمية تجاه المسلمين هناك فحدِّث ولا حرج؛ حيث قاموا بتغيير حروف القرآن الكريم إلى اللغة البورمية بدلاً من اللغة العربية، وأدخلوا التعليم البوذي إلى المدارس الإسلامية، وسمحوا بالزواج المختلط ما بين المسلمين والبوذيين، كما تمَّ إجبار المسلمين على تغيير أسمائهم إلى الأسماء البوذية، ونزع الزي الشرعي لنساء المسلمين، خاصةً الحجاب والنقاب، إجبار المسلمين على الاحتفال بالأعياد البوذية ومنع الاحتفال بالأعياد الإسلامية، والعبث بمساجد المسلمين ودخول البوذيين إليها عنوةً بحجة الإشراف عليها وهدم الكثير منها، وقيامهم منع ذبح الأضاحي في عيد الأضحى، وفرضوا إدخال لحوم الخنزير إلى البقالات الإسلامية وإجبارهم على الشراء والبيع والمتاجرة بها إضافةً إلى الخمور، وعدم طباعة المصحف الشريف أو إعلاميات إسلامية وعدم استخدام مكبرات الصوت لرفع الأذان، حتى الأموات لم يرحموهم وقاموا برفض تخصيص مقابر جديدة لأموات المسلمين، فضلاً عن محاولاتهم المستميتة لطمس الهوية الإسلامية بدايةً من فرض شروط قاسية وتعجيزية على زواجهم، والتي منها عدم السماح للمسلمة بالزواج قبل سن الـ25، والرجل قبل الـ30؛ الأمر الذي كان يضطرهم لتقديم رشاوى للسماح لهم بالزواج.

 

هذه هي الأرقام التي لا أنقلها لكم على سبيل الإنشاء، وتلك هي الإجراءات التي يضعها النظام العسكري الحاكم في بورما للتخلص من المسلمين، ولم يصبح أمام هؤلاء الذين لا جريمة لهم سوى أنهم آمنوا بالله إلهًا واحدًا، إلا أن ينزحوا من بلادهم لعله المخرج الوحيد لديهم متوجهين إلى أي مكانٍ يأوون فيه أولادهم خوفًا عليهم من الذبح، وزوجاتهم خوفًًا من القتل والسحل والتعذيب، وفتياتهم خوفًا من الاغتصاب أو الانتحار، حتى الهروب إلى دول الجوار- وهو أملهم الوحيد- انعدم تمامًا بعدما رفضت بنجلاديش مأواهم- الذي لا بديلَ له- فهموا بالعودة لانتظار مقابلة رب العالمين لعلمهم مسبقًا بما سيحدث لهم.

 

هذا هو حال فئةٍ من المسلمين، ليعرف العالم الفرق بين ما يعيش في أحضان الإسلام وأهله كيف هو حاله، وما هي حقوقه، وليعلم ما هو حال المسلمين حينما يعيشون وسط أجواء مليئة بالعنصرية والتطرف والعصبية ممن لا ديانةَ لهم، ولا يدينون حتى بأي معنى من معاني الإنسانية، ولا يسعني القول إلا أن أتوجه بخالص شكري للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وللدكتور يوسف القرضاوي، الذي تحرَّك وحيدًا ووجَّه بيانًا للجميع لإظهار الحقائق وما يعاني منه أخواتنا في بورما، لا نمتلك إلا الدعاء لهم ودعوة كل الدول العربية والإسلامية والعالم كله للوقوف أمام تلك الجرائم التي تُحاك ضد الإنسانية.