دأب النظام السابق على تطويع الأجهزة الأمنية لتنفيذ قراراته في مواجهة الإرادة الشعبية ومحاربة معارضيه وإهدار أحكام القضاء، ووضع تلك الأجهزة في مواجهةٍ لا ناقةَ لها فيها ولا جمل، وأصبحت هي العصا الغليظة التي يستخدمها النظام وزبانيته لمواجهة أي معارضةٍ له حتى وصل الأمر للتعدي على نواب الشعب والقضاة والمعارضة الوطنية الشريفة بكل أطيافها.

 

وأصبح الأمن طرفًا أصيلاً في هذا؛ ما دفع للقيام بمظاهرات في ذكرى عيد الشرطة في 25 يناير لرفض السياسات القمعية للشرطة التي كانت تنفذ توجيهات القيادة السياسية, ثم تحوَّلت تلك المظاهرات بسبب العقلية القمعية التي تربَّت عليها الأجهزة الأمنية لثورة مباركة أسقطت رموز النظام.

 

وبكل أسفٍ عقب الثورة المباركة انتهج بعض متخذي القرار وبعض النخبة بل وبعض القضاة المنتفعين من النظام السابق منهجًا مغايرًا، بمحاولة تطويع القضاء واستخدامه ليكون اليد الباطشة في بعض القضايا وتسييس أحكامها، وتمثل ذلك في إعلان هؤلاء القضاة عن مواقفهم السياسية بل وتحديهم للسلطات المنتخبة ومهاجمتها وإعلانهم عن ذلك صراحةً بل ووصول الأمر إلى حد التعدِّي اللفظي على مجلس الشعب المنتخب والممثل الحقيقي للإرادة الشعبية.

 

وتمثَّل ذلك في بعض القضايا، منها على سبيل المثال لا الحصر عدم تحريك الدعاوى الجنائية ضد مرشحٍ سابقٍ للرئاسة ولا حتى سماع أقواله في قضية معروضة على القضاء، والأعجب من ذلك قيام مستشارة بالمحكمة الدستورية بالتعليق على أحكام المحكمة وقراراتها بل والتعدي والتلفظ بألفاظ غير لائقة في حق الرئيس المنتخب، بل وقالت في مقابلة مع  صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية: إن المجلس خطط مع أحد قضاة المحكمة الدستورية للحفاظ على سلطتهم السياسية، والتصدي لصعود التيارات الإسلامية، وأنها نَصحت العسكري بعدم تسليم السلطة قبل كتابة الدستور.

 

وتجلَّت تلك المحاولات فيما عُرف بقضية تمويل منظمات المجتمع المدني، والتي كان فيها تدخل صارخ في أعمال القضاء من قيادات قضائية كبيرة، شكَّلت دائرة خاصةً لنظرها وحُلت بعدها مباشرةً وفتحت الخزانة بعد الأوقات الرسمية وسمحت للمتهمين بالسفر، كل ذلك في ساعات معدودة ولم يوجه لها لوم أو حتى عتاب.

 

ولأول مرة نجد محكمة دستورية عليا تطبع الحكم في المطابع الأميرية قبل الجلسة وسماع المرافعات والدفوع والمداولة، بل وتجعل الحيثيات أقوى من المنطوق بل وتحدد آليات التنفيذ وتسعى هي بذاتها وببعض أعضائها لتنفيذ ذلك، وتناست تلك المحكمة المُوقَّرة أن لها اختصاصات وصلاحيات لا تجب لها، وهي أعلى هيئة قضائية في البلاد أن تتعداها أو تتجاوز حدود صلاحياتها، وبل وأوقفت تنفيذ قرار جمهوري على عكس ما قضت به المحكمة ذاتها في عام 1990 من أن القرار الجمهوري من أعمال السيادة، أليس هذا تسييسًا للأحكام؟!

 

فلماذا تحاول المحكمة الدستورية إقحام نفسها في صراعٍ سياسي ولمصلحة مَن؟ وما دامت قد ارتضت لنفسها أن تخوض في غمار السياسة فلتقبل بالنقد الذي يوجه للساسة وقراراتهم، وهذا ليس تعليقًا على أحكام القضاء ولكن على الآثار السياسية وطريقة التعامل السياسية مع الأحكام.

 

وللسادة القضاة الذين يتسابقون على جميع وسائل الإعلام لمحاربة وتجريح كل ما هو منتخب أوجه لهم تلك التساؤلات: أين كنتم حين أهدر مبارك ونظامه كرامة القضاء والقضاة وسحل زملاءكم، ومَن وقف في وجه بطشه وجبروته انتصارًا للقضاء؟! ألم يُعتدَ على الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي أمام محكمة العباسية ويُعتقل لمساندته لمطالبكم؟ ثم نجد البعض يتلفظ بألفاظٍ لا تليق بمكانته كرئيس جمهورية ناضل ويناضل من أجل استقلالكم وحقوقكم. أين أنتم من قضية التمويل الأجنبي وسفر المتهمين الأمريكيين؟ وبماذا تسمون تلك الإجراءات؟ أين كنتم أثناء التعديلات الدستورية التي أجراها مبارك، والتي كانت تمهّد للتوريث؟ فلم نسمع صوتًا لأحد ممن يتحدث الآن عن احترام الدستور وسيادة القانون. بل أين كنتم حين كانت تُنتهك الحقوق والأحكام الباتة والحريات تحت سمع وبصر الدنيا كلها؟ وما رأيكم في الإعلان الدستوري المكمم أو المكبل مع علمكم بأن مَن قاموا بهذه التعديلات هم ترزية قوانين ودساتير نظام مبارك, أليس في ذلك محاولة لإعادة إنتاج ذلك النظام السابق عن طريق عدم التمكين للسلطات المنتخبة والتجريح اللاذع وغير المقبول لأي قرار لها؟ هل كان يستطيع أحد منكم أيها القضاة الأجلاء إصدار مثل هذه الانتقادات لأي قرار من القرارات الظالمة والمخالفة للدستور والقانون والأعراف وعدم تنفيذه للأحكام النهائية التي كان يرتكبها مبارك وزبانيته أو حتى يشير إلى ذلك من بعيد أو بعيد جدًّا؟! وأين هؤلاء السادة القضاة ممن سبَّهم علنًا في فضائياتهم ولم نسمع لأحد منهم مجرد استنكار؟

 

إن محاولة تصدر بعض القضاة المحسوبين على النظام السابق والمعروفين بتوجهاتهم وانتماءاتهم وولائهم له ولقادته، ويدينون لهم بالولاء الكامل بسبب المنافع التي كانوا يحصلون عليها والامتيازات المادية الخاصة لهم، للمشهد السياسي وتوظيفهم لمنصاتهم بكل أسفٍ لخدمة أغراض سياسية مرفوضة تمامًا، وغير مقبول أن يقلل البعض من هيبة القضاء الشامخ ويبتذلها في خدمة مصالح خاصة لبعض الفئات والقوى التي لفظها الشعب.

 

إن محاولة جعل المحكمة الدستورية سلطة فوق السلطات المنتخبة ومنها مجلسي الشعب والشورى ورئيس الجمهورية بل والدستور نفسه هو أبرز برهان على ذلك، فلا بد من إعلاء مبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات بصورة واضحة وجلية.

 

إن محاولة جعل القضاء رأس الحربة في مواجهة الإرادة الشعبية ولتصفية الحسابات السياسية هو عين الخطر الداهم، وهو بداية الانحدار الحقيقي للدولة ومؤسساتها.

 

إن قضاء مصر الشامخ أكبر من تلك المحاولات وسيظل شامخًا، فلا ينبغي لأحدٍ كائنًا مَن كان أن يحاول تطويعه نصرةً لمواقف معينة أو جهات منبوذة من الشعب، ولن تستطيع أي قوة- مهما بلغت- أن تلوث ثوب القضاء النظيف وناصع البياض أو تنال منه حتى وإن كانت من داخل تلك المؤسسة العريقة التي نفخر ونعتز بها ونجلّها ونحترمها، والتي طالما نادينا وحاربنا واعتقلنا من أجل استقلالها وإعلاء رايتها.

 

فإلى القضاء المجيد: دُم شامخًا في أحكامك.. مترفعًا عما يُكدِّر صفو عدالتك.. غير مسيَّس ولا تابع.. دُم حصنًا منيعًا عصيًّا على الاختراق.. ومقصد كل مظلوم وملاذ كل مضطهد حتى تأخذ الحق له.. ومتصديًا لكل ظالم متجبر حتى تأخذ الحق منه.