إن مشاكل التعليم في مصر عديدة ومتنوعة ولكي نتغلب على هذه المشاكل لا بد من تحديث الهيكل العام للعملية التعليمية وخروجها من العملية المركزية المعتمدة على الرجل الأوحد وهو "وزير التربية والتعليم" إلى العملية المؤسسية، التي توزع فيها المهام على مؤسسات عديدة متخصصة تختص كل منها بعمليات محددة ولا تتداخل في اختصاصاتها مع مؤسسات أخرى، وكذلك فتح الباب على مصراعيه لتطبيق معايير الجودة على العملية التعليمية.

 

فكما نعلم مسبقًا أنه كلما تم تغيير وزير التربية والتعليم لا يقوم الوزير باستكمال ما بدأه سالفه، ولكنه يقوم بتغيير أنظمة التعليم والمناهج الدراسية بل يقوم بتغيير وزارة التربية والتعليم رأسًا على عقب حتى وإن كانت سياسة من سبقه أفضل أو مثالية، فهو يريد إثبات وجوده ولذلك يقوم بالتغيير وهذا ما يتسبب في فشل العملية التعليمية حيث إنها تتأرجح بين أفكار وسياسات مختلفة ولذا وجب علينا الآن بعد قيام الثورة أن نوجه العملية التعليمية نحو اللامركزية وتوزيع الأدوار والتخصصات. وفيما يلي بعض الأفكار التي قد تسهم في نجاح وتطوير العملية التعليمية:-

1- إن إنشاء مؤسسة لوضع المناهج الدراسية (ولتسمى مثلاً الهيئة العامة لوضع المناهج الدراسية لمراحل التعليم ما قبل الجامعى) وهي هيئة مستقلة لا تتبع وزارة التربية والتعليم، تشكل هذه اللجنة من أساتذة الجامعات المصرية والعلماء المتخصصين في فروع العلم المختلفة والتربويين... إلخ) وتقوم هذه المؤسسة بوضع المناهج العلمية والتربوية لمراحل التعليم ما قبل الجامعي المختلفة. ومن واجبت هذه الهيئة جمع آراء جميع الكليات والجامعات المصرية ووزارة التربية والتعليم ومؤسساتها كل عام أو عدة أعوام؛ لتحديد كم ونوعية المواد العلمية الجديدة أو المطلوب تدريسها للطلاب قبل دخولهم إلى الجامعة لإجراء عملية تحديث المناهج حسب التقدم العلمي وحسب حاجة الجامعات والكليات المختلفة.

 

2- إن إحدى أهم المشكلات التي تواجه العملية التعليمية في مصر هي الكتب الخارجية التي يتم طباعتها لتسهل على الطالب عملية التحصيل وتلخيص الدروس وتطرح العديد من الأسئلة وإجابتها وكذلك التمارين وحلولها واشتمالها على نماذج للامتحانات... إلخ، ونظرًا لأن الكتاب المدرسي غير واضح وغير مفهوم (وقد يكون ذلك عن قصد)، فإن كل الطلاب يلجئون لشراء الكتب الخارجية وقد يشتري الطالب أكثر من كتاب للمادة الواحدة وهذه الكتب تسهل على الطالب عملية الفهم والتحصيل والتطبيق وتنوع الأسئلة وهي الآن تجارة رائجة وناجحة، ولكنها تشكل عبئًا ثقيلاً على الأسر المصرية ولكي نتغلب على هذه المشكلة من جذورها فلا بد من تطوير الكتاب المدرسي بحيث يشتمل على كل مزايا الكتب الخارجية (شرح وافي ومركز للمادة الدراسية- أمثلة عديدة ومتنوعة- تمارين كثيرة متنوعة وحلولها في آخر الكتاب- نماذج امتحانات- امتحانات الأعوام السابقة.... إلخ) (حتى ولو كبر حجم الكتاب) مما يجعل الطالب يستغني عن الكتاب الخارجي نهائيًّا ويستخدم الكتاب المدرسي، وقد يرى البعض أن في ذلك قضاء على الهدف الأساسي من الكتاب المدرسي وهو إعمال فكر وعقل الطالب لاستخراج المعلومات، ولكن الحقيقة أن الطالب لا يستخدم الكتاب المدرسي نهائيًّا ويتجه لاستخدام الكتاب الخارجي ومذكرات المدرسين فإذا كانت المحصلة واحدة فلماذا لا نلجأ إلى تغيير الكتاب المدرسي ليقضي على الكتاب الخارجي كما أسلفنا.

 

3- إن ما نراه من مهازل في عملية ترقية السادة المدرسين (تقديم بحث الترقية، وهي عدة بحوث قليلة تم إعدادها عن طريق بعض المدرسين وتعد على أصابع اليد الواحدة يقوم السادة المدرسون في جميع أنحاء مصر بنسخها أو نقلها عن طريق النت أو مكاتب الكمبيوتر وتقديمها للحصول على الترقية) لهو أمر مرير ومهين للعملية التعليمية وليس ذا فائدة أو جدوى ولا بد من تغييره وتعديله، ليضمن تطوير أداء المعلم قبل ترقِّيه ولكي يتم ذلك نقترح إنشاء هيئة منفصلة لا تتبع وزارة التربية والتعليم (ولتسمى مثلاً الهيئة العامة للترقي) تكون مسئولة عن وضع المناهج العلمية والتربوية التي يجب أن يدرسها كل معلم حسب تخصصه ويجتاز الامتحان النظري والشفوي والعملي قبل حصوله على الترقية فإذا اجتاز الامتحانات والتي تتم على سنتين أو ثلاث سنوات تتم ترقيته، وإذا لم يجتزها لا تتم ترقيته، ولا يسمح له بالتقدم للامتحان إلا بعد انقضاء مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر على أن يكون هذا الامتحان في كل مرة بأجر. وفي هذا الصدد يمكن أن تقدم وزارة التربية والتعليم لمعلميها دورات تدريبية تجهزهم وتعدهم للامتحان. ولا بد من أن تشتمل المواد التي يدرسها المعلم للترقي دراسات عن تطورات سلوكيات التلاميذ والمشكلات التي يسببونها في الفصل والمدرسة وسبل التغلب عليها وطرق التدريس الحديثة وطرق وأساليب الإدارة المدرسية الحديثة، مع الأخذ في الاعتبار الاستفادة من النماذج المدرسية الإدارية الناجحة. كما يجب إعادة تقسيم مراحل ترقي المدرسين وعدم تحويلهم في المستقبل من معلمين إلى إداريين. كما يجب عمل كوادر مالية جديدة ومتفاوتة بفروق مادية مؤثرة تُحس المدرس على الاستذكار والتدريب والاتجاه إلى رفع مستواه العلمي والتربوي والمهني للحصول على هذه الترقية والزيادة المادية.

 

4- إن إحدى مشاكل وزارة التربية والتعليم بل مشكلة المجتمع المصري بأسره هي مشكلة الدروس الخصوصية التي تجعل الأسر المصرية توجِّه أكثر من 50% من دخلها إلى الدروس الخصوصية؛ حيث ترسخ في أعماق المجتمع المصري أن المدرسة لا تقوم بدورها الذي أنشأت من أجله الآن، ولكي تضمن الأسرة توفير تعليم جيد لأبنائها فإنها تتوجه إلى التعليم الخاص بالمدارس الخاصة وإلى الدروس الخصوصية بل أن الأسر التي ترسل أبنائها إلى المدارس الخاصة تستعين أيضًا بالمدرسين الخصوصيين لتوفير أكبر قدر من التحصيل لأبنائهم وتفوقهم، وقد باءت كل المحاولات السابقة للتصدي لهذه الظاهرة بالفشل، لذا وجب علينا أن نتبع أساليب جديدة ومنظمة لا أقول أنها سوف تمنع الدروس الخصوصية ولكن أقول أنها على الأقل سوف تحد بنسبة كبيرة جدًّا من هذه الظاهرة، وبهذا الصدد أقترح على وزارة التربية والتعليم أن تقوم بتسجيل شرح مسموع ومرئي وافٍ ومتكامل ومبسط لجميع المنهاج التعليمية للمراحل التعليمية المختلفة، بواسطة نخبة من معلميها المتميزين، وبثها على القنوات التليفزيونية ونسخها على أسطوانات DVD أو الوسائط المتعددة وإتاحتها في المدارس والمكتبات نظير مبلغ بسيط، وكذلك إتاحة الفرصة لتحميل هذه البرامج من موقع الوزارة على شبكة الإنترنت. فبذلك يستطيع الطالب أن يستمع إلى شرح الدروس في المدرسة عن طريق مدرس الفصل وسماع الدرس مرة أو أكثر كما يحلو له من (البرامج التعليمية بالتليفزيون- أو عن طريق الكمبيوتر باستخدام الـDVD المعدة لذلك)، كما يجب على الوزارة أن تعد برامج ترشد وتعد وتوجه أولياء الأمور في كيفية متابعة أبنائهم أثناء العملية الدراسية وكيفية قياس قدرات تحصيلهم وكيفية توجيه أبنائهم للاستفادة من الوسائط المتعددة والوصول إلى أقصى استفادة من العملية التعليمية) فقد تكون البرامج التعليمية متوفرة على بعض القنوات التليفزيونية فعلاً، ولكن ما ينقصها هو توجيه المدرس والمتابعة، وللاستفادة من هذه البرامج والوسائط المتعددة يجب أن يقوم أولياء الأمور بدور المدرس في المتابعة والتوجيه في المنزل. كما يجب أن تقدم كل مدرسة مراجعة شهرية في مختلف المواد الدراسية التي تم شرحها خلال الشهر عن طريق المدرسين الأكفاء.

 

5- لضمان عملية جودة وتطوير العملية التعليمية لا بد من إنشاء المؤسسة المصرية للجودة التعليمية وتقوم هذه المؤسسة بوضع معايير دقيقة ومفصلة عن المدرسة القياسية وتشمل هذه المعايير كل التفاصيل الدقيقة عن المدرسة (الشكل المعماري للمدرسة، اتساع الفصول وارتفاعها، شكل حجرات المدرسين والإدارة، الحمامات والملاعب، المعامل وتجهيزاتها، فرش الفصول، المناضد، والكراسي، وسبورة الشرح، وأجهزة العرض... إلخ. الهيكل الإداري للمدرسة وكفاءته، هيئة التدريس وكفاءتها، نتائج تلاميذ المدرسة "المرحلة"، كثافة التلاميذ بالفصول... إلخ) وتقوم هذه المؤسسة بتحديد معايير الجودة وتقسيمها إلى عدة مستويات متدرجة- وبعد وضع المقاييس القياسية تبدأ هذه المؤسسة في تطبيق هذه المعايير على جميع المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم والخاصة وتحديد قياس كل مدرسة على هذه المعايير. وتكون مهمة وزارة التربية والتعليم وكل ما يتبعها من وكلاء للوزارة ومديري الإدارات التعليمية، هو النهوض بهذه المدارس ورفع درجة قياسها على المعايير القياسية بل وتقاس كفاءة المسئولين بمقدار ما حققته مدارس كل إدارة من تقدم على مقياس الجودة كل عام. ويجب أن تمنح وزارة التربية والتعليم مكافآت خاصة للمدارس (مدرسين وإدارة) وزيادة المخصصات المالية للمدارس التي تستطيع أن تتقدم على مقياس الجودة.

 

كما يجب تقييم أداء الإدارة المدرسية والمعلمين ومتابعة سير العملية التعليمية بجدية من وزارة التربية والتعليم.

 

6- لا بد من فصل هيئة الأبنية التعليمية عن وزارة التربية والتعليم وتقوم هذه الهيئة وبالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم ومجلس الوزراء والهيئة العامة للتعبئة والإحصاء والمؤسسة المصرية للجودة التعليمية بإعداد خطة مستقبلية لشكل المدارس ومساحة الفصول والملاعب، وكذلك تحديد عدد المدارس المطلوبة في كل أنحاء مصر، وتحديد الميزانية اللازمة لهذا التطوير وعمل خطة زمنية حالية ومستقبلية لإنشاء المدارس والفصول الدراسية على أن يراعي في هذه الخطة المستقبلية الوصول بكثافة التلاميذ في الفصل الدراسي الواحد إلى أقل من 20 تلميذًا حتى يتثنى لمدرس الفصل متابعة جميع التلاميذ والنهوض بمستواهم التعليمي.

 

على أن تقوم هيئة الأبنية التعليمية بتسليم المدارس والفصول الدراسية كاملة المواصفات الفنية لوزارة التربية والتعليم ويتم تخصيص قيمة مادية سنوية لعمليات الترميم والصيانة لكل مبنى، وإذا ما تخطت عمليات الصيانة السنوية هذه القيمة يتم التحقيق مع المسئولين عن المبنى المدرسي وتحديد المسئول عن هذا الإهمال وتحميله المسئولية القانونية.

 

كما تقوم الهيئة بعمل دورات تدريبية للعاملين بوزارة التربية والتعليم تدربهم فيها على كيفية الحفاظ على المباني والمنشآت المدرسية.

 

7- لا بد أن تقوم وزارة التربية والتعليم بإنشاء إدارة متخصصة في تجهيز المدارس والمعامل بكل ما تحتاجه من أساس ومواد وأدوات معملية تتفق مع الغرض من العملية التعليمية، وكذلك تتفق مع الشروط التي تحددها المؤسسة المصرية للجودة التعليمية للعمل على رقي التطبيق العملي والمعملي للمواد الدراسية وكذلك النهوض بالشكل والأداء الحضاري للمدرسة.

 

8- بالنسبة للتعليم التجاري (دبلوم التجارة) فلا بد من إلغائه وتحويله إلى تعليم تدبير منزلي وإدارة شئون منزل وحرف يدوية بسيطة بالنسبة للإناث (تريكو- تفصيل- إلخ) أما بالنسبة للذكور فلا بد من تحويلهم إلى تعليم مهني بمفهوم حديث ليوفر لنا القوى العاملة التي يفتقدها السوق المصري حاليًا.