نتهت الانتخابات الرئاسية وكنا نأمل أن نخرج من أجواء الشحن والقصف أجواء الاستنزاف النفسي والمعنوي والمعلوماتي المغلوط والمكذوب في كثير من الأحيان إلى أجواء تهدئة الأوضاع وتنقية المشهد العام، نتجاوز مرحلة كثرة الكلام إلى كثرة العمل والعمل المثمر في بدايات الجمهورية الثانية، لكنْ وللأسف الشديد ما زالت بعض الأقلام والألسن والصحف والفضائيات لا تجيد إلا تعكير الصفو وتكدير المشهد؛ ربما لأن هذا النمط من التناول كان الوسيلة الوحيدة لمحدودي الإمكانات من الإعلاميين الذين وظفهم جهاز أمن الدولة المنحل في الهجوم والتشهير والتجريح بخصوم نظام مبارك بدعم مالي وتقني من رجال المال الفاسد بقايا النظام البائد أصحاب غالبية الفضاء الخاص.

 

انتهت الانتخابات بخسارة فادحة لمربع بقايا النظام وهم كُثر.. خسارة مادية ومعنوية وميدانية، لكنهم لم ييأسوا بعد، فما زالت السهام المسمومة تقصف في كل اتجاه خاصةً المربع الإسلامي، والجديد القادم غير القائم في القصر الرئاسي الرئيس محمد مرسي.

 

* شواهد ودلالات:

** العناوين الرئيسية لصحيفة "الوفد" المصرية الليبرالية التي صرحت بأن ابن الدكتور مرسي عُين وكيلاً للنائب العام، وأن ابنه أعطى الشيخ الغنوشي هدية قلادة، وقد نفت الرئاسة المصرية هذه الأخبار، بل ونفاها الشيخ الغنوشي نفسه، لكن تدخل الدكتور السيد البدوي رئيس الحزب لإصلاح الموقف بعدم تناول الجريدة للحياة الشخصية للرئيس وأسرته.

 

** العناوين الرئيسية لبعض الصحف السوداء "الفجر- الموجز المستقلة"، التي تجاوزت كل الأعراف المهنية والعلمية والخلقية حين وصفت رئيس الدولة بالفاشي لمجرد أنه إسلامي ونالت من شخصه وأسرته.

 

** أكاذيب الدخيل على الإعلام "عكاشة" الذي يكذب ويتحرى الكذب حتى كُتب عند الشعب كذابًا، رجل سب وقذف كل الناس حتى نفسه، سب النخبة والإخوان والسلفيين والقضاء والعسكر، بل تمادى بالسب للمستوى الإقليمي والدولي.

 

** ادعاءات وائل الإبراشي، ولميس الحديدي، وعمرو أديب، بل ورئيس حزب التجمع اليساري رفعت السعيد بأن الإسلاميين قتلوا مهندس مدينة السويس أثناء سيره مع خطيبته، وأنهم يشكِّلون لجانًا شعبيةً للحماية مقابل الابتزاز المالي لسكان المناطق، بل زايد البعض حين تقدم في الاتجاه المعاكس "رفعت السعيد" مدعيًّا أن الإسلاميين يخططون لقتل الفنانين والمبدعين.

 

** صحف عربية ليبرالية من الطراز الأول متخصصة في الهجوم على التيار الإسلامي، خاصةً الإخوان، كتبت تقول: مصر العظيمة تحتاج إلى جنرال يحكمها بالديمقراطية، بل زايدت فقالت شعب مصر لم يكن حرًّا في اختياره الرئيس الجديد. فنحن لا نستطيع أن نقرر بأن شعب مصر اختار رئيسه الجديد بوعي سياسي كامل وحرية تامة، دون أن يتعرض للتأثيرات الجانبية، والضغوط النفسية، وقضايا مثل الكفر والإيمان.

 

** التصريحات غير الدقيقة بل الكاذبة للدكتور سعد الدين إبراهيم "مركز ابن خلدون" حين ادَّعى أن الإخوان في أسيوط منعوا المسيحيين من التصويت في جولة الإعادة، وقد تبين من تصريحات المستشار فاروق سلطان رئيس اللجنة العليا للانتخابات أن هاتين اللجنتين ذات أغلبية مسلمة، لكن الناخبين فيهما لا يذهبون عادةً للتصويت، وهذا ما أكدته الانتخابات الماضية.

 

نتائج وتداعيات: *

** المزيد من إرباك المشهد المرتبك أصلاً والنيل من وحدة الصف الوطني، والمزيد من تمزيق النسيج المجتمعي في مرحلة نحن أحوج ما يكون لوحدة الصف ولمّ الشمل والعمل معًا من أجل مصر.

 

** وضع المزيد من الألغام في طريق الرئيس محمد مرسي؛ أملاً منهم (بقايا النظام) في إفشاله وعدم تحقيق خطة 100 يوم التي يسابق الزمن من أجل تنفيذها.

 

** تشويه الصورة الذهنية للرئيس المنتخب الوحيد في حياة المصريين؛ لينشغل هو وفرق عمله عن القضايا الأساسية والملحة للشعب المصري بقضايا فرعية.

 

** ترسيخ اليأس والإحباط في نفوس المصريين الذين التفوا حول مرشح الثورة، وها هم يحاولون العمل والعمل المنتج لاستكمال النجاحات وإسقاط بقايا النظام.

 

** ترويع وتخويف الرأي العام، خاصةً رجال المال والأعمال الشرفاء، وكذا ترويع المستثمرين الأجانب؛ لوقف عجلة الاستثمار التي نراهن كثيرًا على حركتها ودفعها لإنعاش الاقتصاد المصري، خاصةً بعد حالات التقدم المتتالي التي أحرزتها البورصة المصرية في الأيام الأخيرة واللقاءات الناجحة بين الرئيس مرسي وبعض الدبلوماسيين العرب والأجانب.

 

** زيادة الفجوات بين القوى الوطنية خاصة الإسلامية والليبرالية؛ لتتمدد فيه بقايا النظام كما فعلت بعد الثورة وفوجئنا جميعًا بدخول مرشح العسكري وعائلة مبارك"شفيق" جولة الإعادة.

 

وسائل وإجراءات: -

 

الحملة الإعلامية غير الأخلاقية و الشرسة وإن كانت تنال من أشخاص وأحزاب وكيانات لكنها تهدف في المقام الأول ممارسة جولة جديدة؛ لإجهاض الثورة لصالح إعادة إنتاج نظام مبارك بقيادة العسكري ودعم مالي وإعلامي وبشري من كبار النافذين في بقايا النظام البائد؛ لذا فمقاومة هذا السيناريو الكريه ليست مسئولية شخص ولا حزب ولا جماعة ولا حتى الرئيس وفرق عمله فقط بل هي مسئولية الشعب كل الشعب، أو على الأقل مسئولية الذين التفوا حول الدكتور مرسي لينجح ويسقط رمز ورأس النظام البائد؛ لذا أقترح جملة من الوسائل والإجراءات منها:

 

** كشف الغطاء عن مؤسسات الدولة العميقة التي تخطط وتدعم وتمول هذه الحملات غير الوطنية، كشف المؤسسات والأشخاص والهيئات وربما الدول.

 

** كشف الغطاء السياسي والإعلامي عن الذين تخصصوا في الكذب والتدليس على الشعب، وذلك بإعداد قائمة العار على صفحات التواصل الاجتماعي ورسائل الموبايل وتعليق اللوحات والملصقات التي تحذر منهم ومن الصحف والقنوات المفتوحة لهم وبقصد.

 

** التواصل الفاعل بالتعليق الهادف على هذه الأخبار؛ ما يشكل رأيًّا عامًا واضحًا ورافضًا لهذا النمط الإعلامي المرفوض.

 

** عقد المؤتمرات والندوات وورش العمل بهدف الارتقاء بالوعي والأداء السياسي والإعلامي وتوضيح الرؤى ورد الشبهات المثارة.

 

** إصدار البيانات التي تدحض هذه الأكاذيب وتفضح هذه الصحف والأقلام مع التزام الموضوعية والأعراف المهنية والخلقية حتى لا نقع فيما نحذر منه.

 

** التعاطي القانوني والإداري الموثق بالمستندات للقضاء ونقابة الصحافيين، واتخاذ الإجراءات العادلة حيال الذين يهددون الأمن والاستقرار الوطني بالكذب والتدليس.

 

** مراسلة الشركات التي تعلن عن منتجاتها بهذه الصحف والفضائيات بأننا سنعلن عن حملة لمقاطعة المنتج؛ بسبب الإعلان في هذه المنافذ الإعلامية غير النظيفة.

 

** التظاهر والاعتصام السلمي الفاعل والمؤثر أمام هذه المؤسسات والمطالبة بوقف هذه الممارسات الإعلامية غير الوطنية التي تهدد النسيج الوطني والمجتمعي والأمن القومي المصري.

 

خلاصة الطرح:

الإعلام كان وسيبقى من روافد البناء والتطوير والتنمية، لكن أن يتحول لمعول هدم لأمة ووطن، فهذا يتطلب وقفة شعب أسقط رأس النظام ووجب عليه الاستمرار لإسقاط بقايا النظام في مؤسسات الدولة وفي المقدمة الإعلام.. فهل نفعل؟!
------------
كاتب مصري.