يخطئ من يتصور أن فوز الدكتور محمد مرسي برئاسة الجمهورية كأول رئيسٍ مدني لمصر بعد ستين عامًا من الحكم العسكري هو نهاية الثورة التي انطلقت يوم 25 يناير ولا تزال مستمرة.
فوز مرسي بالمنصب الأول في الدولة هو مفصل مهم من مفاصل الثورة، كان أولها يوم 25 يناير، وكان ثانيها في جمعة الغضب يوم 28 يناير، وثالثها يوم معركة الجمل، ورابعها يوم التنحي ثم تلا ذلك مفاصل أخرى في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، ومن ثم انتخابات مجلسي الشعب والشورى وصولاً إلى المفصل الأحدث والأهم وهو انتخابات رئاسة الجمهورية، لكن مسيرة الثورة لم تكتمل بعد، فحتى الآن هناك مماحكة في تسليم السلطة بشكل كامل في الموعد المحدد بـ30 يونيو، بل إن القابضين على السلطة التنفيذية حاليًّا ممثلين في المجلس العسكري استبقوا هذا الموعد بانقلاب ناعم تمثل في إصدار إعلان دستوري مكمل ضمن لهم بقاء أطول في السلطة حتى بعد التسليم الرمزي في 30 يونيو؛ وذلك من خلال نصوص تبقي على التشكيل الحالي للمجلس الأعلى حتى الانتهاء من إعداد الدستور والاستفتاء عليه، ومنح المجلس حق النقض لأي نص في الدستور الجديد لا يروق له، وإعادة تشكيل مجلس الدفاع الوطني بأغلبية عسكرية كاسحة، إضافةً إلى استرداد سلطة التشريع، وإقرار الموازنة العامة للدولة بعد حل مجلس الشعب.
المعركة الحقيقية إذن هي التسليم الحقيقي للسلطة إلى الرئيس المدني المنتخب، وقد كانت بدايتها الكاشفة عندما طلب حزب الحرية والعدالة تشكيل حكومة ائتلافية تخلف حكومة الجنزوري التي عجزت عن مواجهة الأزمات المفتعلة في الأسواق خلال الفترة الماضية، وساعتها رفض المجلس العسكري إقالة حكومة الجنزوري وساوم الحزب على احتكار تعيين 10 وزراء سياديين وهو ما رفضه الحزب، وبدأ منذ تلك اللحظة التفكير في ترشيح أحد قياداته لمنصب رئيس الجمهورية ليستكمل معركة تسليم السلطة.
لم يكن سهلاً على نفوس العسكريين تسليم السلطة لشخصية مدنية، فما بالك أن هذه الشخصية تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين التي ظلت مطاردة ومحظورة على مدار العقود الستة الماضية التي حكم فيها العسكر مصر، وربما يفسر ذلك تأخير إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية لعدة أيام، ولكن إعلان النتيجة بفوز الدكتور محمد مرسي، ومن ثَمَّ لقاء المجلس الأعلى معه بقيادة طنطاوي وعنان كسر هذا الحاجز النفسي العميق، وفي تقديري أن الأمور أصبحت مهيأةً الآن للتوصل إلى حلول مقبولة من العسكر والميدان معًا بشأن نقل السلطة بشكلٍ كامل، مع تقدير خصوصية القوات المسلحة في الدستور الجديد فيما يخص قرارات الحرب، أو مناقشة الميزانية وإخضاعها لرقابة شعبية تحافظ على أسرار أمننا القومي سواء عبر لجنة الدفاع في مجلس الشعب أو عبر مجلس الدفاع الوطني بعد إعادة تشكيله ليصبح متوازنًا بين العسكريين والمدنيين.
على عكس التوقعات التي تشير إلى احتمالات الصدام بين الرئيس والمؤسسة العسكرية على خلفية الإعلان الدستوري المكمل وحل مجلس الشعب وقرار الضبطية القضائية لرجال المخابرات الحربية والشرطة العسكرية، فإن الدلائل تشير إلى أجواء تتجه نحو التعاون والحوار، وقد بدا ذلك من خلال تهنئة المجلس الأعلى والمشير طنطاوي والفريق سامي عنان للرئيس الدكتور محمد مرسي، وكذا تهنئة رئيس جهاز المخابرات العامة والذي حرص أن تكون التهنئة للرئيس المنتخب باسمه واسم جميع العاملين في الجهاز، في إشارةٍ إلى أن الجهاز سيتعاون مع الرئيس الجديد خلافًا لتكهنات البعض، وكان المشهد الأبرز لهذه الروح الحوارية هو لقاء الدكتور مرسي مع قادة المجلس الأعلى في مقر وزارة الدفاع يوم الإثنين الماضي، والذي أكد خلاله القادة العسكريون تقديرهم للرئيس المنتخب وحرصهم على التعاون معه.
كان هناك رهان على أن تصدر محكمة القضاء الإداري حكمًا يوم الثلاثاء الماضي بوقف قرار المشير بحل البرلمان، لكن المحكمة ارتأت التأجيل فظلَّت مشكلة البرلمان قائمة في انتظار صدور تفسير قسم الفتوى والتشريع أو صدور حكم من المحكمة، ولكن في المقابل جاء حكم المحكمة بوقف قرار وزير العدل بمنح الضبطية القضائية لرجال المخابرات الحربية والشرطة العسكرية بردًا وسلامًا على المعتصمين في التحرير باعتبار أن إلغاء هذا القرار كان أحد المطالب الرئيسية لهم، كما أن تأجيل المحكمة للنظر في دعوى بطلان الجمعية التأسيسية حتى 4 سبتمبر يعد فرصة لهذه الجمعية لتستكمل عملها وتنتهي من إعداد الدستور دون شعور بالتهديد، وهو أمر يُسهم في تخفيف الاحتقان في الشارع السياسي، ويقضي على أحد عناصر التوتر، وتبقى معضلة الإعلان الدستوري المكمل عالقة، وهو الإعلان الذي خرجت الجماهير لترفضه منذ أيام ولا تزال تواصل اعتصامها في ميدان التحرير حتى إسقاطه، وفي تقديري أن الحوار المباشر بين رئيس الجمهورية المنتخب والمجلس العسكري يمكن أن يصل إلى حل مقبول لهذه المعضلة، سواء بالتراجع عنه أو تفريغه من مضمونه عبر تفويض المجلس العسكري لما منحه له هذا الإعلان من سلطات التشريع وإقرار الميزانية لمجلس الشورى المنتخب، أو لرئيس الجمهورية، والذي كان الدستور السابق يمنحه هذا الحق في حال غياب مجلس الشعب.
أما الوضع الدائم للقوات المسلحة في الدستور الجديد فهذا الأمر سيترك للتوافق الوطني من خلال الجمعية التأسيسية للدستور، والتي تضم في عضويتها ممثلاً للمجلس العسكري هو اللواء ممدوح شاهين.
الحوار المباشر بين الرئيس والمجلس الأعلى في ظلِّ استمرار الاعتصام في ميدان التحرير، واستمرار الروح الثورية بشكلٍ عام كفيل بالوصول إلى حلول مرضية لكل الأطراف، فما نيل المطالب بالتمني، ولكن تؤخذ "السلطة" غلابًا، عبر وسائل الضغط السلمية والقانونية دون الحاجة إلى صدام يخسر فيه الجميع.
------------