الفعل هو رأي له جسد، أما الرأي فهو فعل بلا جسد، وكلاهما وجهان لعملة واحدة تُعبِّر عن وجهةِ نظر صاحبها وفلسفته تجاه موضوعٍ ما، إلا أن أحدهما مباح أما الآخر فقد لا يكون كذلك، فحرية الاختلاف في الرأي حق تبيحه وتُقرُّه الأنظمة الديمقراطية، أما حرية الفعل فهي مقيدة بمجموعةٍ من الضوابط تفصل بين المباح وغير المباح وترتب الأولويات وتحدد الحقوق والواجبات تمييزًا لعالم البشر عن عالم الحيوان، وهذه الضوابط هي التي نطلق عليها القانون.

 

والقانون هو سيد حكمناه فينا وحاكم سودناه علينا، ولكنه لولانا ما كان سيدًا ولا حاكمًا، فهو في حقيقته منتج فكري بشري صنعته عقول البعض وصاغته أقلام البعض ليحتكم إليه الكل، وحيث إن هؤلاء البعض هم جزء من الكل، فإنه من حق الكل أو بعضه أن يختلف مع القانون قياسًا على حرية الاختلاف في الرأي بين البعض والبعض الآخر، وبالتالي فليس من المنطق ولا من العدالة أن يُحاكَم شخص ما لقيامه بفعل ما تم تصنيفه وفقـًا لآراء واضعي القانون على أنه من الأخطاء الموجبة للعقاب؛ لأن هذا الشخص وغيره قد لا يرون هذا الفعل خطأً، بل إن القانون ذاته قد يُبرر لهؤلاء نظرتهم حين يناقض نفسه في نظراته المتعددة لأفعال متطابقة، كما يتناقض في نظرته تجاه ما يُباح وما لا يباح، ولنأخذ على ذلك مثالين:-

 

1- إعطاء الدروس الخصوصية فعل له توأم ألا وهو التعليم في المؤسسات الخاصة، وهذان الفعلان يتطابقان مع فعل ثالث، وهو التطبيب في العيادات الخاصة، إلا أن قوانين مبارك لا تبيح الفعل الأول في ذات الحين الذي تبيح فيه توأمه وتبيح فيه الفعل الثالث، رغم تطابق أسباب النشأة وآليات الفعل وأهدافه.

 

2- قوانين مبارك أيضـًا تتناقض نظرتها فيما هو مباح وما هو غير مباح، فهي تبيح إنشاء الكباريهات وأماكن اللهو والرذيلة بكل ما يُقترف فيها من محرماتٍ وآثام وإنتاج وعرض أفلام الفيديو كليب والأفلام السينمائية بكل ما تتضمنه أغلبها من إهدار للآداب والقيم وبكل ما تمثله من مخاطر على قيم المجتمع وعاداته الدينية هي أفعال يبيحها القانون في ذات الحين الذي يجرم فيه العامة حين يخرجون عن الآداب العامة مرتكبين بعضـًا مما يرتكبه نجوم فنون الرقص والتمثيل والغناء!!

 

وكأن القانون يـرى - ويريدنا أن نرى- أن الدروس الخصوصية هي استنزاف كريه وغير مبرر لموارد الأسرة، بينما التعليم في المؤسسات الخاصة والاستشفاء في العيادات الخاصة هي من الأفعال المبررة التي لا تمس هذا الدخل ولا تستنزفه، إنه يريدنا أن نرى بعينيه أن ساقطات الشوارع وساقطوها هم منبع الخطر الذي يهدد عادات المجتمع وتقاليده ومبادئه، بينما علينا أن نشاركه الرأي والرؤية في شأن نجمات ونجوم الكثير من الأعمال الفنية الساقطة الذين يراهم القانون ويرون هم أنفسهم ويراهم عبيد الشهوات إحدى سمات التقدم والحضارة والإبداع ومصدرًا من مصادر الدخل القومي ومظهرًا من مظاهر الريادة الوطنية!!

 

إن موضوع اليوم هو أضخم من أن تستوعبه مقالة واحدة، ولكنني سأحاول، فهو بمثابة علامة استفهام ضخمة ضخامة العالم وقديمة قدم البشرية، فمَن يضع القانون لمَن؟، سوف أحاول الإجابة بادئًــًا من حيث إن للبشرية مراحل تطور عبر تاريخها الطويل الممتد، وأن كل مرحلة من هذه المراحل لم يكن لها أن تصل إلى ما تليها دونما قوة تدفع البشرية إلى عالم التقدم بعيدًا عن عالم الغابة.

 

وفي تقديري- وأرجو أن يوافقني الجميع- أن هذه القوى الدافعة كانت تتمثل دائمًا في نزول الشرائع السماوية وظهور الرسل والأنبياء، وفي تقديري أن البشرية قد أدمنت وراثيًّا- في أغلبها- تجاهل هذه التشريعات والاتجاه نحو نسختها البشرية المزيفة، وكأنَّ البشريةَ في حالها هذا أشبه برجلٍ أعطى ظهره للجمال وتوجه تلقاء مرآة عكرة ثم أطال النظر فيها إلى الصورة المنكرة للأصل الجميل، فلما لم ترق له الصورة ظل يقترب من المرآة ويبتعد عنها وينظر إليها من مختلف زوايا الرؤية عساه أن يرى فيها الجمال الذي يبحث عنه، والذي يصرُّ على رؤيته في هذه المرآة ولكن دون جدوى!!

 

إن هذا الرجل مهما طالت وقفته ومهما تعددت محاولاته لن يعثر على بغيته؛ لأنه أخطأ الطريق إليها، والطريق في تقديري يبدأ بإعمال العقل والمنطق في آليات الكون من حولنا، وهي آليات لن يتعذر حصرها في صنفين أولهما هو مجموعة من الآليات تخضع في إدارتها لإرادة الله ويمكننا تسميتها (آليات البقاء)، وثانيهما هو مجموعة الآليات التي تخضع في إدارتها لإرادة الإنسان ويمكننا تسميتها (آليات الارتقاء).

 

ثم إننا بالتدبر فيما بين الصنفين من فروق جوهرية، سوف ندرك أن آليات البقاء لا يمكن للحياة والأحياء أن يستمروا بدونها؛ ولذلك فقد تكفل الله بها وصانها بإرادته بعيدًا عن عبث الإنسان وتجاربه وجهله، بينما سندرك أن آليات الارتقاء لا تعطل الحياة ولكنها تؤثر في ملامحها، وهذا الصنف الثاني من الآليات (آليات الارتقاء) خيّرنا الخالق سبحانه في إدارتها بين بديلين أولهما أن يديرها الإنسان وفق رغبة خالقه المتمثلة في الرسالات والشرائع السماوية وثانيهما أن يديرها الإنسان وفق رؤيته وأهوائه!

 

ولما كان الإنسان ظلومًا جهولاً فقد آثر رغبته ورؤيته على رغبة خالقه ورؤيته، وكأنه يقر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بأنه أكثر حكمة ودراية من خالقه، وهو خلل فكري واضح، فنحن حينما نواجه حاجة من حاجات الدنيا نلجأ إلى أهل الاختصاص، فنحن لا نداوي أنفسنا وإنما نذهب إلى الأطباء، ونحن لا نشيّد مرافقنا ولكن يشيّدها لنا المعماريون والبناءون، إذ لاشك أن كل صانع هو أدرى بصنعته، وبالتالي فالله أدرى بنا من أنفسنا وهو سبحانه أعلم منا بما يصلح لنا وبما يصلحنا لأننا صنعة الله ولسنا صنعة أنفسنا!!.

 

وخلاصة القول فإن الإنسان غير الملتزم بتعاليم الشرع في تسيير أمور حياته لو أنه احتكم فقط إلى المنطق والحكمة لما تردد في أن يدرج رغبة الله ورؤيته ضمن بدائله في إدارة شئون حياته، ولما ظلَّ آسرًا نفسه أمام هذه المرآة العـكرة التي لن يرى فيها سوى القبح والزيف لذلك الأصل الفائق الجمال الذي إن أراد أن يراه على حقيقته دون تزييف أو تحريف فما عليه إلا أن يستدير بوجهه مائة وثمانون درجة لأنه إن فعل فحتمًا سيقول لا إله إلا الله، اللهم اغفر لي جهلي بالحق وظلمي لنفسي، فأنت خالقي وأنت العليم الحكيم، فمن يضع القانون لمن؟!

 

-----------

* maged.daif@hotmail.com