قد يرى البعض أن أكبر مكاسب الثورات هو إزاحة أنظمة طاغية ظالمة مستبدة، أو تصدُّر الوطنيين المخلصين الصادقين في أي انتخابات تُجرى بنزاهة وشفافية، أو تنفس الناس الصعداء، أو توقف نزيف الفساد والإفساد السياسي، والانحطاط الأخلاقي، والتحلل الاجتماعي، والتخلف الحضاري... كل هذا جميل ومقدور، ومن المكاسب الحقيقية للثورات المعاصرة.

 

لكن أعظم المكاسب- في تقديري- لهذا الربيع العربي، بل الصيف الإسلامي، هو الحرية.. الحرية هي أعظم هذه المكاسب على الإطلاق، أن يتكلم الأفراد بكرامتهم، وأن تشعر الشعوب بحريتها، وأن يعبروا عن آرائهم بحرية، وأن يكتب الكاتب دون أن يحسب حساب لمقتضيات دولة بوليسية، أو أنظمة وحشية، أو حكام ظالمين طاغين؛ ذلك أن الشعوب صبرت طويلاً، وتحملت كثيرًا، وطوت صدورها على بركان من الظلم والقهر، والشعور بالمرارة، والإحساس بالحرمان، حتى إذا جاء أوانُ إخراجه، وحان وقت بروزه، تفجرت ناره فأحرقت زرع الطغيان والقهر، ودمغت الطغاة والمستبدين، وتبَّرتْ ما علَوْا تتبيرًا.

 

هذه الحرية- كما يقول العلامة محمد الطاهر بن عاشور- هي "حلية الإنسان، وزينة المدنية، فبها تنمى القوى وتنطلق المواهب، وبصوبها تنبت فضائل الصدق والشجاعة والنصيحة بصراحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتتلاقح الأفكار، وتورق أفنان العلوم".

 

هذه الحرية هي التي لا يختلف على تحصيلها أحد، ولا يتنازع في الحفاظ عليها أي قوة سياسية أو فكرية، عندها تتلاشى الأفكار، ويذوب التنوع، ويتوحد الجميع، وتُلقى الخلافات والنزاعات جانبا؛ لأنها مما قامت عليه الفطرة، ونزلت به الشرائع، وجاءت من أجلها الرسالات، واتفقت على تحقيقها البشرية في كل عصورها.

 

ومن أجل هذا لم يكن كثيرًا على الحرية التي هي منحة إلهية أن نضحى من أجلها بأرواح المجاهدين، وأن تسيل لها دماء الشهداء، وأن تسمع بسببها أنَّات الجرحى، وترى دموع أمهات الشهداء، فالعبودية موت، والحرية حياة.

 

وإذا كانت الحرية منحة إلهية أوجدها الله مع خلق الإنسان، وجعل قيمتها تعدل قيمة الحياة حين قال تعالى: (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ) (النساء: من الآية 92). فإن القرآن المجيد يقرر أن تحرير رقبة من العبودية هو بمثابة إحيائها من موات؛ لأنها توازي نفسًا مؤمنة حرة ماتت بطريق الخطأ، فكأن القرآن يريد أن يقول: إن العبودية موت والحرية حياة، كما يقرر ذلك- بحق- الطاهر بن عاشور في تفسير هذه الآية فيقول: "وقد جعل هذا التحرير بَدلاً من تعطيل حقّ الله في ذات القتيل، فإنّ القتيل عبد من عباد الله ويرجى من نسله من يقوم بعبادة الله وطاعة دينه، فلم يَخْل القاتل من أن يكون فوّت بقتله هذا الوصف، وقد نَبهتْ الشريعة بهذا على أنّ الحرية حياة، وأنّ العبودية موت؛ فمن تسبّب في موت نفس حيّة كان عليه السعي في إحياء نفس كالميتة وهي المستعبَدة".

 

ليس هناك مخلوق نال من التكريم الإلهي مثلما نال الإنسان، فقد خلقه الله- تعالى- بيده، وسواه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وشرفه وكلفه، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعا منه، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)) (الإسراء). فكل ما ناقض مبدأ تكريم الإنسان، وأهدر كرامته، أو أضعف فيه إنسانيته كان للإسلام منه موقف صارم، فحرم إهانته، وخدش مشاعره، وإهدار كرامته، فضلاً عن تعذيبه، وهضم حقوقه، وقتله بغير حق.

 

حتى وصل هذا التكريم وتلك الإنسانية إلى قضية الدين والاعتقاد فيه، فنفي أن يكون في الدين إكراه، بل يعتنق الإنسان ما يعتقده عبر التفكير والتأمل بإرادة كاملة وعقل واعٍ ودون أدنى إكراه من الداخل أو الخارج، قال تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة: من الآية 256).وقد كانت هذه الحرية على أسمى وجوهها وأكمل تطبيقاتها في عصر الرسالة والراشدين الذي عبر

 

عن "الحكم الراشد"، ثم تلاه عصور بدأت تتراجع فيها الحرية شيئًا فشيئًا في ظل "الملك العضوض"، ثم تلاشت أو كادت مع عصور "الحكم الجبري" الذي بدأت تتكسر جبروته على صخرات الجهاد المقدس والصمود المستمر والوقوف أمام الحكام الجائرين، ذلك الوقوف الذي صنعته الشعوب حين طفح الكيل ونفد الصبر؛ أملاً في أن تسعد بحريتها، وتشعر بكرامتها، وتصل إلى حكم رشيد على "منهاج النبوة".

 

وإنني أكاد أجزم أن ما تتمتع به شعوب الربيع العربي من حريات الآن لم يسبق له مثيل في التاريخ الإسلامي، باستثناء فترة الراشدين التي تعتبر فيها الحرية كاملة بضوابطها؛ فلم تكد الشعوب تشعر بكرامتها أو تسعد بحريتها كما تتمتع بها الآن... هذا عصر الحريات، وهذا هو زمن الكرامة الحقيقية، كما لم يسبق للأمة أن تعيشه أو تشعر به في تاريخ الإسلام.

 

من أجل هذا كله كان من أوجب الواجبات وأفرض الفرائض في هذا الوقت هو الحفاظ على هذا المكتسب الأعظم: الحرية، وعدم التفريط فيها أبدًا، وعدم إعطاء فرصة للبغي عليها أو الانتقاص منها، وعدم ترك فراغ من مساحتها ليتمدد فيه الطغاة والمفسدون والمستبدون؛ فهذه الحرية هي حق الشعوب وحدها لا يجوز لها أن تفرط فيها أو تترك جزءًا منها حتى يظهره الله أبدًا أو تُهلكَ دونه.

 

لا يجوز لنا مطلقًا أن نختلف أو نتناحر فيضيع منا جزء من هذا المكتسب الأعظم، فلنعض عليه بالنواجذ، وليكن خلافنا- إن كان- في إطاره، وليكن اتفاقنا من أجل تحقيقه وتقريره وتعظيمه، ولتكن وحدتنا وقوتنا من أجل الحفاظ عليه، والجهاد من أجل بقائه واستمراره، بعد أن أنفقنا الكثير من دمائنا وأرواحنا وأمننا من أجل إيجاده وتحصيله؛ فإن النفوس الحرة الأبية السوية لا ترتضي أن تفرط في حريتها بعد أن عاشت قرونًا تحت قهر الطغيان، وظلم الاستعباد، ونار الاستبداد!