شهدت مصر الحبيبة عرسًا ديمقراطيًّا ناتجًا عن إرادة شعب عاني منذ القدم من الظلم والطغيان وتزوير إرادته منذ قيام ما سُمِّي بثورة 1952 وانقلاب العسكر على الشعب والاستحواذ بالسلطة منفردًا ومصادرة آراء الآخرين بالزج في المعتقلات والإعدام للفئة الطاهرة التي صمدت في وجه الجبروت وتوالى حكم العسكر من نجيب والسادات، وأخيرًا مبارك حيث حكم على مدار أكثر من ثلاثين عامًا, كان الشعب المصري خير شاهدٍ على حكمه وبخاصة الحركة الإسلامية في مصر وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين, حتى شاء الله وحده أن ينعم أهل مصر مسلمين ومسيحيين بالحرية، وقامت ثورة 25 يناير وانتُخب مجلسا الشعب والشورى من ثلاثين مليون ناخب وبإرادة حرة نزيهة؛ ولكن أبى أهل الظلم ألا ينعم المصريون بكامل حريتهم فصدر حكم المحكمة الدستورية العليا ببطلان الانتخابات على المقاعد الفردية وحل المجلس العسكري المجلس بقرار باطل, (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال: من الآية 30).

 

فكان تدبير الله بفوز الدكتور محمد مرسي برئاسة الجمهورية, وانطلقت المسيرات في جميع ربوع مصر فرحًا واحتفالاً بذلك النصر العظيم من الله وحده الذي سخَّر قلوب المصريين لاختيار مرسي رئيسًا لمصر وللبلاد, فإن الله وحده هو الناصر لعباده المؤمنين الذين جعلوا نيَّاتهم لله حرصًا على وطنهم من عدوان ظالم.

 

وأنت يا دكتور مرسي مسئول أمام الله عز وجل أولاً عن شعب مصر من أيَّدك ومن لم يعطك صوته، فالكل في عنقك يوم القيامة وإياك إياك إياك أن تظلم نفسًا بشيء أُصبت من جرَّائه ولتتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة عندما قال: "اليوم يوم مرحمة... اذهبوا فأنتم الطلقاء"، وهذا لا يعني إضاعة حق الشهداء أو التخلي عن حقوق ذلك الشعب وليكن أخذ الحق بالقانون المنصف العادل.

 

إياك إياك أخي الحبيب والدمع يزفر من عيني خوفًا عليك من المشقة والله وحده هو خير معين لك على الطريق، إياك أن تولي أحدًا على مكانة وفيهم خير منه ولا تستعجل الأمر, فالأمر عصيب عليك والكل ينتظر منك بل من المنهج الإسلامي الذي تحمله كيف يستجيب لما ألمت به البلاد من محن وأزمات.

 

وليكن همُّك الأول المواطن الفقير الذي لا يجد قوت يومه هو وأولاده, فلا تبيتن يومًا من غير أن توفر لهم ما يقتاتون منه, وكما لا تغلق الأبواب في وجه الرعية ويغرنك الشيطان بأن الوقت مهدور في الأعمال ولا تجد سعة في الوقت, كل هذا ما يسوله لك الشيطان والبطانة السوء, وعليك بالصالحين ممن أُضيعت حقوقهم فإنهم خير مَن يعينوك على الحق ويقوِّمك متذكرين ما فعله أبو بكر الصديق عندما ولى على المسلمين وخطب خطبته الشهيرة التي يتناقلها التاريخ عبر العصور قائلاً: "أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم".

 

وكما قال سيدنا عمر رضي الله عنه: "أيها الناس من رأى منكم فيَّ اعوجاجًا فليقوّمه"، فقال له أحد الناس: لو رأينا فيك اعوجاجًا لقوّمناه بحد سيوفنا، فرد سيدنا عمر بقوله: "الحمد لله الذي جعل في أمةِ محمدٍ مَن يقوّم اعوجاج عمر بسيفه".

 

وليكن هاتفك متاحًا للشعب كافةً ليستغيث بك مَن هو في كرب, دون أن يحجبه حراسك كما كان يفعل مع مَن كان قبلك, ولتنزلن بين المواطنين وتتفقد أحوالهم فتواسي المحتاج منهم كبيرًا وصغيرًا "لو أن شاةً بالفرات عثرت لسُئل عنها عمر لِمَ لم تمهد لها الطريق يا عمر".

 

وليعينك الله على تلك المسئولية الشاقة، وكلنا خلفك نساندك وتحت إمارتك في أي ثغرة, نبايعك على الحق والعمل لدين الله ومصلحة وطنننا الحبيب ولا أنسى أن أذكِّر الإخوان المسلمين خاصةً بوصية أمامنا الشهيد حسن البنا عليه رحمة الله تعالى في رسالة المؤتمر الخامس قائلاً:

 

إن الزمان سيتمخض عن الكثير من الحوادث الجسام، وإن الفرص ستسنح للأعمال العظيمة، وإن العالم ينتظر دعوتكم، دعوة الهداية والفوز والسلام، لنخلصه مما هو فيه من الآلام، وإن الدور عليكم في قيادة الأمم وسيادة الشعوب (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: من الآية 140), (وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) (النساء: من الآية 104), فاستعدوا واعملوا اليوم، فقد تعجزون عن العمل غدًا.

-----------------------

* a_ikhwan74@hotmail.com