منذ سقوط رأس النظام الفاسد السابق تجري محاولات حثيثة للالتفاف على الإرادة الشعبية أو تهميشها وفي بعض الأحيان تسفيهها، وبكل أسف يقود هذه المحاولات عدة جهات، في مقدمتها بعض من يسمون أنفسهم بالنخبة وبعض وسائل الإعلام التابعة لجهات أمنية لا تخفى على أحد أو التابعة لرجال أعمال منتفعين من النظام السابق.
وبرهان ذلك ما تمَّ تسويقه في بعض وسائل الإعلام من أن الانتخابات لا تعبر عن الشعب، وأن النسبة التي صوتت لا تعبر عن جموع الشعب، وأنها لا تأتي بالأفضل وأن التوافق لاختيار أعضاء أي جهة كانت (مجلس رئاسي، لجنة إعداد دستور، مجلس استشاري، ..) هو الأفضل والأنسب لاختيار الكفاءات، وهذا هو قمة فساد الاستدلال وسوء النية والقصد للافتئات على إرادة الشعب واختياراته الحرة، بل وصل الأمر إلى اتهام الشعب بأنه غير مؤهل لاختيار ممثليه وتحديد مصيره، وهذا ما دفع بعض الجهات إلى صبِّ جام غضبها وتوجيه سهامها المسمومة على كل اختيار للشعب، بدءًا من الاستفتاء على التعديلات الدستورية وانتخابات مجلسي الشعب والشورى، وانتهاءً بمحاولاتهم الفاشلة للالتفاف على اختيار المصريين لرئيسهم.
ومن أسف فإن البعض تناسى إرادة الشعب وقدرته على التغيير، واستهان بها، فأخذ يصادمها ويسير عكسها بل ويتحداها، وتمثل ذلك في قرار حل مجلس الشعب الذي لم يستند إلى منطوق حكم المحكمة الدستورية التي قضت بعدم دستورية المادة المختصة بثلث أعضاء المجلس، وإصدار إعلان غير دستوري (مكمم) لتحجيم وتهميش الرئيس المنتخب ولجنة إعداد الدستور المنتخبة ولضمان بقاء العسكر في السلطة لأطول فترة ممكنة، وسبق ذلك منح وزير العدل الضبطية القضائية لرجال الشرطة العسكرية والمخابرات للتعرض للمدنيين واحتجازهم، وهذا ما يعد انقلابًا كامل الأركان على الإرادة الشعبية وتعيين جهة غير منتخبة نفسها كوصية على مصر وشعبها بشرعية الأمر الواقع، وليس عن طريق الشعب مصدر السلطات.
وإذا نظرنا للماضي القريب والقريب جدًّا عندما حاول نظام مبارك تجاوز الإرادة الشعبية وزوَّرها وتباهى بها كانت نهايته؛ فلا ينبغي أبدًا الاستهانة بالشعب أو التحايل عليه أو تجاهل إرادته أو أن نلتفَّ على اختياراته تحت دعاوى فاسدة مختلفة، وللأسف يروِّج البعض لذلك وهم ليس لهم رصيد في الشارع المصري، كل رصيدهم أمام الكاميرات في الفضائيات وفي الندوات في الفنادق الفخمة، والبعض الآخر ممن يمارسون دكتاتورية الأقلية ويحاولون فرض رأيهم عنوةً على إرادة الشعب.
وفي مقدمة هذا ما يسمَّى بالمجلس الاستشاري الذي لا ندري من أين استمدَّ شرعيته ويتحدث عن أي شعب وما مدى رصيده في الشارع السياسي؛ فهو بكل أسف عرَّاب القوانين والإعلانات والاتفاقات غير السوية والمخالفة للإرادة الشعبية.
إن الدرس الذي ينبغي أن نعيه جميعًا أن إرادة الشعب هي الغالبة وأن الشعب هو صاحب القرار ولا يمكن لأي جهة أن تحاول تجاوز ذلك، ولا ينبغي أن يغتر أحد بحلم الشعب؛ فهو إن صبر فإن ذلك لا يعني ضعفه، وإن رضي مرةً بتجاوز ما فإن ذلك لا يعني تسليمه "شيكًا على بياض" لتجاوزات غير مبررة مرة أخرى.
إن إرادة الشعب أقوى من أي سلطة ومن أي حاكم، وفي التاريخ دليل ذلك، ومن يعارض آمال الشعوب وطموحاتها هو الخاسر، وستبقى الشعوب وإرادتها الحرة الأبية على مر العصور، ولله در أبو القاسم الشابي حين قال في قصيدتها لشهيرة (إرادة الحياة):
إذا الشعب يومًا أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بـد لليـل أن يـنجلي *** ولا بد لـلقيـد أن ينكسر
إن ما تحتاجه مصر الآن هو تعظيم الإرادة الشعبية وتوجيهها لإعادة بناء مصر، وإصلاح ما أفسده النظام السابق، وتوحيد القوى والطاقات والخبرات، لا أن نرجع إلى ما قبل الثورة من محاولات تزييف إرادة الأمة وتكبيلها ومحاولة تقنين تقييد الحريات وتعيين جهات فوق الشعب وإرادته، وهذا ما لن يسمح به الشعب، فرفقًا بمصر وشعبها وإرادتها، وحمى الله مصر وشعبها وإرادتها.