لم يتعظ "المجلس العسكري" بالنهاية المخيفة "لمبارك", وما زال يسير على طريقه, وينتهج نفس سياساته، وأوجه عدم الاتعاظ كثيرة؛ أهمها الاستهانة بالشعب والقوى السياسية، وأخطرها الاعتماد على مستشاري السوء الذين كانوا يطبخون أطباق القوانين المسمومة، والتي سرى "سمّها" أخيرًا في دم من طبخت له.
"شوقي السيد" و"الدكروري" و"تهاني الجبالي" و"محمد الذهبي" و"نور فرحات" وغيرهم.. هل تذكرون التعديلات الدستورية الـ(34) عام 2007؟ هل تذكرون المادة 76؟.. هل تذكرون تزوير انتخابات 2010 وابتهاج "عز" و"صفوت" بالانتصار على "الجماعة المحظورة"؟.. ثم تشكيل "البرلمان الموازي".. ثم أخيرًا.. "خلوهم يتسلوا"؟!
"العسكري" يتحرك, ويترك حرائق أنى وُجد, ويخلق أعداء في كل طريق، وكنا قد رصدنا سلفًا أن الواقع المصري يموج بأربعة فاعلين في إطار نوعين من الإستراتيجيات:
النوع الأول: الإستراتيجية المضطربة
وينتهجها لاعب إيجابي هو "شباب التحرير", ولاعب سلبي وهم "الليبراليون" وآلتهم الإعلامية.
النوع الثاني: الإستراتيجية المخططة
وينتهجها لاعب إيجابي هم "الإسلاميون" بقيادة "الإخوان", ولاعب سلبي وهو "المجلس العسكري".
أما الآن فقد تشكَّل اصطفاف جديد من لاعبَيْن اثنين في إطار مواجهة وطنية محتدمة.
أما اللاعب الأول: فهو "المجلس العسكري" مضافًا إليه بعض القوى السياسية القديمة، وهيئة النظام البائد.
و أما اللاعب الثاني: فهو قوى الثورة (وطنية وإسلامية) بصورة تقترب من توحد الأيام الثمانية عشرة التي فجَّرت هذه الثورة.
واستقر كل فريق على إستراتيجية واضحة كالآتي:
فأما الفريق الأول (المجلس العسكري ورفاقه) فقد استقر على محاور واضحة وهي:
1- امتلاك زمام المبادرة في الفعل السياسي, وتطوير المشهد عبر قرارات منفردة؛ بعد أن كانت المبادرة بيد الثوار الذين تحصلوا على بعض المطالب عبر المبادأة بطلبها ثم الضغط لانتزاعها, أما الآن فإن "العسكري" يباغت الجميع بالمفاجآت بكل أشكالها والتي توطد وجوده "كحاكم قدري" للبلاد, وتترك الآخرين تحت ضغط مواجهة المفاجآت المربكة.
2- الاعتماد على الذات في إنهاء معركة (نزع الملك) لصالحهم، بعد تأكدهم أن "الإخوان" طرف لا يعتمد عليه في "صفقات الظلام"، وأن الثوار كلهم "ملة" واحدة لا تقبل الخضوع ولا المساومة على أهداف الثورة، ولا فرق في هذا بين "إخواني" و"سلفي" و"إبريلي" و"ائتلافي".
أما الفريق الثاني (القوى الثورية الوطنية والإسلامية) فقد تبلورت إستراتيجية هذا الفريق لتكون كالآتي:
1- التمسك بالرئيس المنتخب "د. مرسي" كقائد مرحلة انتقالية موثوق فيه، وأحقيته في نقل السلطة التشريعية إليه مضافةً إلى سلطاته التنفيذية الكاملة، (والتي سلبها الإعلان الدستوري المكمل), مع الإصرار على شرعية "البرلمان" وتجاوز الخلافات حول مدى كفاءته؛ باعتباره الممثل الحقيقي للشعب وأول ثمرات ثورته, ورفض أي تقنين يثبت سلطوية "العسكري".
2- التوافق على الاستعداد لتدشين ثورة ثانية مزلزلة بمواجهة "العسكري" بعد سقوط الأقنعة, وتدشين هذا الانقلاب الكامل الأركان والذي يحتقر الثوار ويهين كرامة الشعب؛ لتكون هذه الثورة الثانية ماحقةً لهيئة النظام القديم بكل أشكالها.
ومن هنا فإن "الثورة" لم تعد للمربع "صفر" كما تداولته ألسنة الخائفين عليها، لكننا في مرحلة متقدمة تأسس فيها الآتي:
1- إعادة تنظيم صفوف الثوار واختيار قيادة شعبية لهم، بعد أن كانوا متشرذمين، وهذه القيادة أتت "بإرادة شعبية حرة" تضمن ثباتها، وليس بمجرد "تنسيق سياسى" يهدد استمرارها, بالإضافة إلى التوحد على طريق محدد للانتقال إلى دولة دستورية, وانزاحت أسباب الاختلاف وظهرت خريطة وحيدة للطريق عبر كتابة "الدستور", وتسليم السلطة كاملة, واستعادة سلطات "رئيس الجمهورية" وإعادة "العسكر" إلى ثكناتهم.
2- جلاء الصورة أمام الشعب المخدوع في "قيادته العسكرية"، بعد أن كان "الثوار" يعانون من معرفتهم بحقيقة "العسكري" المتشبث بالسلطة, بينما الإعلام يشوه الثوار، ويُجمّل صورة "البطل العسكرى المزيف"، وهذا الجلاء في الصورة من شأنه أن يرصَّ الشعب حول قيادته الثورية الحقيقية؛ ليصطفَّ وراءها في معركة مصيرية ستنتهي حتمًا برفع راية الوطن.
3- عدم وجود قوة سياسية حقيقية يستطيع "العسكري" أن يخدع بها الشعب ويقدمها بديلاً عن القوى الثورية (وطنية أو إسلامية)؛ مما سرًّع وتيرة اعتماده على أعوانه في القضاء والإعلام والسياسة، فأسقطهم جميعًا معه، وأزال الغشاوة، وتميز الخبيث من الطيب في هيئات وسلطات المجتمع الرئيسية؛ مما من شأنه تيسير قيام "الرئيس" الجديد بترتيب أوراق "البيت المصري" على قواعد متينة، بعد أن ظهر الصالح من الطالح، ومما يجعل "تعويق" العملية الإصلاحية مفضوحًا ولا يقوى على الاستمرار.
و أخيرًا.. فلسنا مهتمين بتوصيف ما حدث هل هو انقلاب ناعم أو خشن أو بين بين..!!
ولسنا مشغولين بفتاوى (عرائس) "العسكري" من "الفقهاء الدستوريين", أو "الخبراء الإستراتيجيين", أو"الساسة المخضرمين" أو.. إلخ.
ولسنا مصدومين من "أحكام الدستورية" ولا من "الإعلان المكمل"؛ ليلعبوا بالإعلام كما شاءوا، و لينتهكوا القضاء كما أرادوا, وليسنُّوا "مراسيم" كما رغبوا؛ لأن المؤكد في النهاية أن الشعب سيحاصرهم في كل ميادين الجهاد..
سيجدونه في ساحات القضاء بالحق مترافعًا.
وسيجدونه على منابر الإعلام بالصدق صادحًا.
وسيجدونه في منافسات الانتخابات بكل نزاهة فائزًا.
وسيجدونه على طاولة المفاوضات لا يرضى في حقوقه تنازلاً.
وسيجدونه في ميادين الثورة.. بكل ميادين الوطن.. مليون مشروع شهادة.
فهل يستطيعون مواجهته؟!
---------