إذا كان القانون يمنعنا من التعليق على أحكام القضاء، ومنها حكم المحكمة الدستورية بحلِّ مجلس الشعب، فلا أظن أنه يمنعنا من توجيه التحية للمحكمة وهيئتها الموقرة.
كي تشاركني الرأي في أن المحكمة تستحق التحية لسرعتها في إنجاز الأحكام غير المسبوقة، والتي ستدخل بها في موسوعة "جينيس" للأرقام القياسية، وما كان ذلك إلا لأنها واكبت روح ثورة 25 يناير المجيدة، يجب أن أذكرك أنها قد حلَّت مجلس شعب 84 بعد 3 سنوات، والمجلس التالي 87 حلته بعد 3 سنوات، أما المجلس الذي اختاره 30 مليون مصري في أنزه انتخابات شهدتها مصر في تاريخها فقد حلته بعد 3 أشهر تقريبًا.
تخيل عزيزي القارئ أنك اختلفت معي على أولية الوقوف في أحد الطوابير التي يزخر بها وطننا الحبيب وحدثت بيننا مشادة لفظية- لاحظ مجرد لفظية- ظننتَ فيها أنني أخطأتُ في حقك، فأصررتَ على التقدم ببلاغٍ للشرطة التي أحالته بدورها للقضاء ثم بعد عدة أسابيع مساوية للوقت الذي استغرقته المحكمة الدستورية في حكمها هذا، اتصل بك محاميك ليخبرك أنه قد صدر حكم نهائي بات لصالحك، أنا أتخيل أنك لشدة السعادة والمفاجأة من السرعة المفرطة التي صدر بها هذا الحكم لصالحك ستصاب بأزمة قلبية قد تودي بحياتك.
ولتعلم أن المحكمة تستحق أكثر من مجرد تحية؛ عليك أن تدرك مقدار انشغال أعضائها، فهناك قضايا لم يفصل فيها من 15 عاما كقضية المهندس خيرت الشاطر بعدم جواز إحالة المدنيين للمحاكمة العسكرية والتي قضى سنوات طويلة من عمره في السجن، ولم تجد المحكمة- كان الله في عونها- وقتًا حتى الآن للفصل فيها.
كما أن رئيس المحكمة ونائبه مشغولان منذ أشهر في أعمال اللجنة القضائية للانتخابات الرئاسية، أما نائبته فإنها تقضي وقتًا طويلاً في اجتماعات القوى المدنية مع المجلس العسكري طوال النهار، ثم في الليل تستضيفها معظم القنوات الفضائية لتدلي بدلوها في جميع القضايا المطروحة على الساحة.
وأذكرك بأن تعيين هذه النائبة ضمن هيئة المحكمة الدستورية هو خير رد على مَن يدعي أن التعيين في سلك القضاء يكاد يقتصر على أبناء القضاة، فخبراتها ومواقفها وآراؤها المعروفة للكافة هي التي جعلت رئيس الجمهورية السابق يصدر قرارًا بتعيينها في المحكمة الدستورية، وهو نفس الأمر الذي تم اتباعه في اختيار رئيس المحكمة الذي بدأ حياته في المؤسسة العسكرية وأشرف على انتخابات النقابات المهنية وحدث فيها ما حدث.
وفي خطوةٍ تذكرنا بما حدث مع قانون الأزهر الذي نشر بأثر رجعي قبل أن يعقد مجلس الشعب أولى جلساته، لم ينتظر رئيس المجلس العسكري أن يتسلم الرئيس المنتخب مهامه، بل سارع إلى إصدار قرار جمهوري بتعيين نائب رئيس المحكمة رئيسًا لها بدلاً من الذي سيحال للتقاعد بعد مدة.
إذا اختلفت معي في وجوب تقديم التحية للمحكمة الدستورية، فسأدفعك لتؤديها بطريقةٍ أخرى، وأقول لك ألا يكفيك أن المحكمة الدستورية بحكمها الذي لم يقتصر على عدم دستورية ثلث المجلس، وإنما طالب في الحيثيات بحل المجلس كله، كان سببًا في توحُّد القوى الثورية والتفافها حول مرشح الثورة فأعطته جماهير مصر صوتها؛ سبحان الله.