السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أما بعد..
فلقد نعتك بالأخ بالرغم من فارق السن بيني وبينك فأنا تقريبًا في سن أولادك تمامًا ولكن تأكيدًا مني على أن ما يربطني بك هو الأخوة في الله التي تتميز بها جماعة الإخوان المسلمين.
قبل النصيحة أقول إن الله سبحانه وتعالى اصطفاك من بيننا لكي تحمل أمانة الترشح لهذا المنصب بعد ما تضاربت الأمور واختلفت الآراء وتقدم من تقدم وتأخر من تأخر من الفاسدين أو من المخلصين لدين الله ودعوته إلا أنني كنت أتابع كيف أن الله عز وجل يرتب الأمور ويدفع هذا بذاك ويمهد الطريق لمن يظن البعض أنه بعيد أو أنه لا يصلح ولكني أضحك من غفلتنا نحن البشر عن حكمة الله وقدره وقدرته على أن يرفع ويخفض ويعز ويذل وكأننا لم نتعلم من دروسه الكثيره التي يعلمها لنا فما كان عظم ملك مبارك على الله عزيز بل كان أهون من بيت العنكبوت. أود أن أقول لك الأن أني تخيلت نفسي لو أنني مكانك الأن ورشحت لأمر مثل هذا وساقني الله لنفس مصيرك ومهد لي الطريق كما مهده لك لحكمة لا يعلمها إلا هو فما هو الشيء الذي كنت سأكون في أمس الحاجة إليه في هذا الوقت؟
فبحثت في نفسي فما وجدت غير أنني وقتها كنت سأكون في أمس الحاجة بعد عون الله لنصح إخواني فقلت والله لأنصحنك ولو أنني ذو علم قليل وعمل ضئيل وذنب ثقيل ولكن لعل الله ينفعك بكلماتي فتعم الفائدة على الأمة فأكون قد شاركتك الهم والأجر دون أن أتعرض أنا لفتنة هذا الأمر الذي تتعرض له أنت أيها المسكين.. نصيحتي لك لن تكون نصيحة واعظ ولا عالم لم أرق لهذا المقام ولكن هي نصيحة محب مشفق يحس بضربات قلبك في كل لقاء إعلامي أو مؤتمر جماهيري.
أنصحك يا أخي الدكتور محمد مرسي بعد أن وفقك الله لهذه المهمة الثقيلة أن تقتدي بسيرة الخليفة عمر بن عبد العزيز....... فقد وجدت في سيرة هذا الرجل وعصره وزمانه ما يفيدك ويفيدنا كثيرًا حيث إنه لم يكن نبي يوحى إليه ولا صحابي عايش النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتولى أمر جماعة كافرة لينقلها من الكفر للإسلام كما فعل النبي ولم يتول أمر جماعة مؤمنة مثل الصحابة ولكن الله وفقه لتولي أمر الأمة بعد عقود من الظلم والفساد والاستبداد والقتل والاضطهاد والتحريف والتبديل منهج الأمة وحتى في دين الله والخروج به عما أريد به والخروج بالأمة عن الدور الذي أراده الله لها.
كما أنه كان صاحب مشروع إصلاحي للنهوض بالأمة مما كانت فيه تمامًا مثل حملك لمشروع النهضة الذي تحمله أنت هذا التشابه يا أخي بين حال مصر والأمة الآن وحالها بعد تلك الفترة من حكم بني أميه وإن كان الوضع الآن أسوأ هو الذي جعلني أنصحك بالاقتراب من سيرته لعل الله ينفعك وينفع الأمة بما فعل هذا الرجل المجدد فلقد قرأت كتاب الخليفة الراشد والمصلح الكبير عمر بن عبد العزيز ومعالم التجديد والإصلاح الراشدي على منهاج النبوة للدكتور علي محمد محمد الصَّلاَّبي واستفدت منه كثيرًا فأحيلك إلى هذا الكتاب الذي تحدث عن حياته وسيرته وطلبه للعلم وعن أهم أعماله في عهد الوليد وسليمان وعن خلافته وبيعته ومنهجه في إدارة الدولة، واهتمامه بالشورى والعدل وسياسته في رد المظالم وعزله لجميع الولاة الظالمين، ورفع المظالم عن الموالي وأهل الذمة وإقامة العدل لأهل سمرقند وعن الحريات في دولته، كالحرية الفكرية والعقدية والسياسية والشخصية، وحرية التجارة والكسب، وذكر أهم صفاته، كشدة خوفه من الله تعالى، وزهده، وتواضعه وورعه، وحلمه وصفحه وعفوه، وصبره، وحزمه، وعدله وتضرعه ودعاؤه واستجابة الله له، وتحدث عن معالم التجديد عند عمر بن عبد العزيز، كالشورى، والأمانة في الحكم وتوكيل الأمناء، وأحياؤه مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومبدأ العدل، وعن شروط المجدد، كأن يكون معروفًا بصفاء العقيدة وسلامة المنهج وأن يكون عالمًا مجتهدًا، وأن يشمل تجديده ميدان الفكر والسلوك وأن يعم نفعه أهل زمانه.
وتكلم عن اهتمام عمر بن عبد العزيز بعقائد أهل السنة والجماعة، في توحيد الألوهية وفي باب أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وفي مفهوم الإيمان والإيمان باليوم الآخر والمعتقدات الغيبية، كعذاب القبر ونعيمه والمعاد، والميزان والحوض والصراط والجنة والنار ورؤية المؤمنين ربهم في الجنة والدعوة للاعتصام بالكتاب والسنة وسنة الخلفاء الراشدين، وموقفه من الصحابة والخلاف بينهم وموقفه من أهل البيت وتحدثت عن معاملته للخوارج والشيعة والقدرية وعن حياته الاجتماعية، واهتمامه بأولاده وأسرته ومنهجه في تربيته لأولاده كاختيار المعلم والمؤدب الصالح، وتحديد المنهج العلمي وتحديد طريقة التأديب والتعليم، وتحديد أوقات وأولويات التعليم، ومراعاة المؤثرات التعليمية وعن نتائج ذلك المنهج وتأثر ابنه عبد الملك به.
وتكلم عن حياته مع الناس، واهتمامه بإصلاح المجتمع، وتذكيره الناس بالآخرة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وإنكاره العصبية القبلية، وتقديره لأهل الفضل وقضاؤه ديون الغارمين، وفك أسرى المسلمين، وإغناؤه المحتاجين عن المسألة، ودفع المهور من بيت المال، وجهوده في التقريب بين طبقات المجتمع، ومعاملته للشعراء، واهتمامه الكبير بالعلماء، ومشاركتهم الفعّالة معه لإنجاح مشروعه الإصلاحي، فترقبوا منه وشدوا أزره للسير في منهجه التجديدي، وتعهدوه بالنصح والتذكير بالمسئولية، واستعدادهم لتولي مختلف مناصب الدولة وأعمالها. رأيت أن هناك أهمية كبيرة لك أنت بالذات من هذا فقلت أرسل لك هذه الرسالة لعل الله ينفعك به راجيًا الله أن يوفقك لللنهضة بهذا البلد.
إني أحبك في الله
--------------
* كوالالمبور- ماليزيا