أكتب هذا المقال صباح يوم الإثنين (18/6) وقد أعلنت حملة الدكتور مرسي فوزه برئاسة مصر، وقد سهر العالم كله يترقب نتائج هذه الانتخابات التاريخية، التي سوف تغير وجه مصر، بل سوف تكون بداية لتغييرات جوهرية، في دول وممالك العالم العربي.

 

يتولى زعامة مصر لأول مرة رئيس مدني من أبنائها، بعدما ظلت طوال تاريخها تُحكم من غير المصريين، ثم لما حانت فرصة زعامتها لواحد من مواطنيها، كان عسكريًّا، فمازال العسكريون يحكموننا ويسلم بعضهم بعضًا حتى انتزعها مرسي منهم، بإرادة شعبية حرة واجهت محاولات مستميتة لإبقاء الحال على ما هو عليه.

 

تودع مصر منذ اليوم حقب الفساد، والرعونة واللصوصية والجهل، وسوء خلق القادة والمسئولين، كما تودع التخلف والقهر، والفقر والمرض، ويفتح أبناؤها صفحة جديدة، مملوءة بالأمل والبشارة، والفخر بتلك الثورة البيضاء العظيمة التي خلعت نظامًا مستبدا جبارًا، حوَّل أعرق وأعظم دولة إلى خرابة كبيرة خالية من الحياة الآدمية، إلا من متع خُصصت لهذا الفرعون ونجليه، وحاشية من الأتباع المنافقين.

 

على مدار ستين سنة كانت مصر تدار بعقلية أحادية، جاهلة ليس لديها فكر أو مبدأ، أوحلت البلاد والعباد، وخلفت وراءها المعاناة والألم، والطبقية والطائفية، وافتقد الناس الأمان، والحب، وضاع شيء مهم اسمه الانتماء؛ ضاع الانتماء لمصر بسبب سلوك هؤلاء الحكام، الذين استعبدوا الأحرار، وكفروا بالوطنيين، وباعوا بلدنا بثمن بخس، وضعوه في جيوبهم التي انتفخت، والناس من حولهم جوعى لا يجدون ما يسدون به رمقهم.

 

وها هي الدائرة تدور، ويمن الله على الذين استضعفوا في الأرض، ويجعلهم أئمة، ويجعلهم الوارثين، فيصير المغلوب غالبًا، ويحكم من كان محكومًا بالسوط والتعذيب، والسجن والإيذاء، وهذا من عطاء ربك، الذي أنجح الثورة وهيّأ لها الأسباب، وأطاح بين يوم وليلة برءوس الفساد والاستبداد، وهو القادر على أن تكتمل هذه الثورة، وتعود مصر لأهلها وبنيها، وتتمتع أجيالها المقبلة بهباتها التي حُرمت منها طوال عصور الظلمة الجلادين.

 

والرئيس الجديد ابن من أبناء مصر الحقيقيين، ممن التصقوا بترابها، واحتضنوا أرضها الخضراء العفية، هو مصرى ريفي بسيط، يأكل كما يأكل المصريون، ويشرب كما يشربون، وهو من عانى قهر النظام البائد وبطشه، لذلك فهو أكثر الناس تشاؤمًا من الظلم والظالمين، وهو من تربَّى في جماعة عريقة سلك مع ملايين من أبنائها مسلك الانتماء الحقيقي، وحب الوطن، والدفاع عن عزته وكرامته، والذود عنه بالمال والروح.

 

لا خوف على مصر بعد اليوم، فقد صارت في يد أمينة، عاقلة حكيمة، تعرف قيمة مصر، وتاريخها ووزنها؛ ولأن من يحكمها الآن هو الذي اختاره الشعب، ولم تختره أمريكا أو "إسرائيل"؛ ولأنه لم يفرض على الشعب بقوة السلاح أو على صوت المدافع والدبابات، ولأنه أيضًا لم ينجح بالتزوير والتدليس، ولم يشترِ أصوات الناخبين، وإنما حصل على ما حصل عليه من ملايين الأصوات الحرة، الأبية العزيزة.. وفرق كبير بين هذا الرئيس الذي لديه أسباب الاعتزاز بنفسه؛ حيث يحرسه شعب وتسانده أمة، وبين من يشتري أصوات المحتاجين المنكسرين، ليس رغبة في إصلاح بلد، وإنما شهوة في سلطة، وتنفيذًا لأوامر خارجية؛ كي يبقى بلدنا حقيرًا وضيعًا في ذيل الأمم.

 

الدكتور مرسي سوف يفتح قلبه للجميع، وسوف يكون أبًا للجميع، ولا يظن ظان أنه سوف ينظر إلى الوراء، أو أنه سوف ينتقم من خصومه وممن عذبوه وآذوه، أبدًا والله لن يحدث هذا، وأنا هنا أقسم واثقًا من أخلاق الإخوان المسلمين، الذين ينظرون إلى هذا اليوم باعتباره يومًا للمرحمة، يومًا أعز الله فيه مصر، فلا اعتداء على أحد، ولا أيذاء، ولا إقصاء.. ولو كان الانتقام من أخلاق الإخوان ما كان لهم ذكر الآن، فإنما الرفق واللين والتسامح هي صفاتهم الأصيلة، وأخلاقهم الحميدة التي هي في الحقيقة أخلاق الإسلام، وصفات رسوله الرءوف الرحيم محمد صلى الله عليه وسلم.

 

ولهذا ندعو الجميع حتى المعادين للإخوان، الذين شنوا حملاتهم الظالمة على الجماعة، بشكل غير مبرر، أن ينسوا ما فات، وأن يضعوا أيديهم في يد أخيهم الدكتور مرسي، وأن يقسموا بينهم وبين أنفسهم على أن يعملوا لمصلحة بلدنا، وأن يكونوا معه على قلب رجل واحد، من أجل بناء مصر الجديدة، وتلميع وجهها المضيء الذي غبره قلة عاقة من أبنائها.. ولسوف تثبت الأيام المقبلة أن هذا الرجل وجماعته هم أكثر الناس حبًا لأوطانهم وعشقًا لها؛ غير أن المستبدين أبوا إلا أن يصموهم بغير ذلك؛ حيث يدعون أنهم يتبرمون بالوطنية، والله بعلم بأنهم ليسوا كذلك، إنما أراد الظالمون أن يرموهم بدائهم، وأن يتهموهم بتهم زائفة؛ ليفر الناس منهم وليأخذوا منهم موقفًا.

 

ليكن شعارنا في الفترة المقبلة هو الشعار الذي رفعه الدكتور مرسي في حملته: "قوتنا في وحدتنا"، فلا فرق بعد اليوم بين مسلم وقبطي، أو إخواني وليبرالي، أو سلفي وشيوعي.. إنما الجميع مصريون.. إخوة في الإنسانية، وفي الدين، وفي الوطن، وهم شركاء جميعًا في تحمل تبعة هذا البلد الغالي، الذي إن عز عز العرب والمسلمون.