منذ بدأت الهجمة الشرسة والممنهجة والمنظمة على الفكرة الإسلامية، والمرشح لرئاسة الجمهورية، الحامل لهذه الفكرة كمرجعية معلنة، ومنذ تمَّ الدفع بممثل النظام البائد البغيض إلى منصب رئاسة مصر الشريفة الطاهرة؛ جعلت أتلفت يمنةً ويسرةً، وأسأل من حولي ومن على صفحات التواصل الاجتماعي: هل سمع أحدكم شيئًا من شيخ الأزهر، أو من المفتي يردَّان به على شيء من الافتئات على حقيقة الدين الإسلامي، ونظامه، ومحاولات إقصائه عن السياسة، بل عن الحياة كلها؟ يردَّان به على عودة الفاسدين إلى الظهور، وإلى شرائهم الأصوات، وبيع الذمم؟ يردَّان به على التواطؤ الواضح بين الفاسدين والمجلس العسكري والإعلام المضلل؟!
ظللت فترة أسأل وأسأل، ولا مجيب كالعادة، لم أحس منهما من أحد أو أسمع لهما ركزًا، لكن المفاجأة أن العادة انخرمت، فجأةً، وبينما كنت أقلّب القنوات التلفازية لأستمع إلى خطبة شيخنا القرضاوي أو حديث شيخنا الشعراوي؛ إذ بي أجد على قناة "CBC" السيد علي جمعة وقد جعل يردِّد في صوت خفيض ناعم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس أفشوا السلااام، وأطعموا الطعااام، وصلوا بالليل والناس نياااام..."، وفجأةً قد أخذته الحمية يقول: "لكن الذي يراه شيخه السابق المرحوم سيد طنطاوي من الوقوف على مسافة واحدة من الجميع! ويدعو إلى الرفق الذي دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: "إن الرسول قال، وقال، وقال- ولا يذكر لنا ما قال صلى الله عليه وسلم- ثم يقول: ألا نصبر على البقاء على سنة محمد صلى الله عليه وسلم؟!
وفي تناقض مباشر ولحظي مع ما قال آنفًا يعلن السيد علي جمعة- الذي يقف موقفًا متساويًا مع الجميع- منكرًا على المرشح الذي سئل عما سيكون عليه الموقف إن نجح أحمد شفيق في الانتخابات (يقصد الأستاذ الدكتور محمد مرسي) فيجيب: "لن يكون هذا إن شاء الله"، وينبري السيد علي جمعة في تمثيل صوتي يحتاج تحليلاً من متخصصي الصوتيات، وعلم النفس، ويقول: إن هذا تألٍّ على الله، ويمد بلفظ الجلالة صوته، ويلون فيه.
وبعدما يصف الحال التي نعيشها بالهياج والهرج والمرج، وكأني بالرجل يحس أصابع التهمة تتجه إليه، جعل يردّد: " أقول هذا ولست راغبًا في هذه الدنيا، ولست خائفًا من كائن من كااااان، لكنني أخاف الله رب العالمييييين"!.
وفي لهجة كهنوتية عجيبة، يختم فيقول: هذه موعظة؛ فمن شرح الله قلبه لها فليدع من خلفه!!
موعظة وأي موعظة يا سيد علي جمعة..
ظهر إذن من يجلس على كرسي مفتي الديار المصرية، لا ليقول كلمة الحق، ويقوم بواجب البيان الذي أخذ ه الله على العلماء (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران: من الآية 187)، بل ظهر وقد ضاقت نفسه بأن يعلن بعض العلماء تأييدهم لمرشح دون الآخر، ثم يغمز في "بعضهم" الذين يريدون أن يجرُّوا المجتمع إلى الهياج والهرج والمرج، حسب تعبيراته، بل ويغمز في مرشح الثورة ذي المرجعية الإسلامية الصريحة والواضحة؛ الأستاذ الدكتور محمد مرسي.
ولعلي أطلب منه في هذا السياق أن يفسر لنا موقفه يوم كان يجلس مع رأس الفساد والفاسدين الرئيس المخلوع، ساكتًا عن الباطل والزور، قابلاً به، بل مباركًا له.. أين كانت المسافة الواحدة من الجميع يا سيد علي جمعة وأنت تعد الثورة حرامًا، وخروجًا على الشرعية، وتطلب منا ألا نخرج لصلاة الجمعة ونكتفي بأن نصلى الظهر في بيوتنا حتى لا نخرج إلى التحرير؟!
أين كانت مسافاتك المتساوية من الجميع وأنت ترى الظلم والمرض والمعتقلات والتعذيب والمحاكمات العسكرية؟ والناس يموتون على حدود غزة وفيها؟ وأين كان احترامك للمؤسسة التي تجلس بها يوم خرقت إجماع الأمة بزيارتك المشبوهة الأخيرة للقدس؟ أين وأين وأين؟!
إذا لم نكن قادرين على القيام بمواقف النبل والشجاعة والغيرة على الأمة، فلا أقل من أن نتورَّع عن تهمة النبلاء والشجعان وشجبهم، وأدعو القارئ الكريم أن يرى كل هذا متلفزًا وموثقًا على الصفحات الإلكترونية.
أيها الثوار والأحرار داخل الأزهر الشريف وخارجه..إن موقفكم من تطهير المؤسسة الدينية من فلول النظام السابق ليس على الصورة اللائقة بالغيرة الصحيحة على الأزهر الشريف، بل وعلى الثورة المباركة إن شاء الله تعالى.
كيف تريدون للعقل السوي أن يقبل أن هؤلاء الذين عادوا الثورة لآخر لحظة ينقلبون فجأةً فيصيرون أصحاب مواقف؟ بل ويا للعجب، ينقلبون ثوارًا؟ ألا تظهر الآن مواقفهم- في ظل عودة الفلول السياسيين- خبيئة نفوسهم التي جاهدوا في إخفائها تلونًا وتحولاً يثير الاشمئزاز، ويزكم الأنوف والآفاق؟!
الأزهر.. الأزهر الشريف.. يا ثورتنا المباركة.. الأزهر أعظم مؤسسات مصر الشريفة الطاهرة، من عنده ينبغي أن يبدأ عزل الفلول وتطهير الوطن.