هناك بعض القوى في مصر تراهن على أنها تستطيع أن تُفرِّق بين الأحزاب، وتمزق وحدتهم، وتشتت شملهم، حتى لا يجتمعوا على مطالب وأهداف واحدة، وما أشبه الليلة بالبارحة.
فقد كتب معاوية إلى ملك الروم الذي أوشك على اقتحام بلاد المسلمين؛ انتهازًا لفرصة الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، فقال له معاوية في رسالته: والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين! لأصطلحن أنا وابن عمي عليك، ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت؛ فعند ذلك خاف ملك الروم وانكفأ، وبعث يطلب الهدنة.
أما المعتمد بن عباد فقد أرسل إلى يوسف بن تاشفين قائلاً: أيها السلطان! ناشدتك الله إن سقطتْ إشبيليا لم يبق للإسلام في تلك الجزيرة في الأندلس اسم ولا رسم؛ فالحق بنا وأنقذنا. يقول له وزيره وهو يكتب الرسالة: أيها السلطان! كيف ترسل إلى يوسف بن تاشفين، فغدًا إذا جاء وانتصر وصار الملك، تصير أنت عنده أجيرًا، أترضى بذلك وأنت السلطان؟! فنظر المعتمد بن عباد إليه وقال له: يا هذا! أنت وزيري تنصحني بما يملأني وزرًا، والذي نفسي بيده لأن أكون راعيًا للجمال عند مسلم اسمه يوسف بن تاشفين خير من أن أرعى الخنازير لألفونسو غدًا.
كم وددت أن تفهم الأحزاب الموجودة على الساحة السياسية – سواء كانت إسلامية أو ليبرالية أو يسارية - هذه الرسالة، وتعلم أنه لا قوة لها ولا منعة إلا في الاتحاد فيما بينها، وفي تنفيذ شعار "قوتنا في وحدتنا" تنفيذًا عمليًا وحقيقيًا وواقعيًا، فقد كان التوحد في زمن الفرقة عاملًا مهمًا من عوامل الصمود والتحدي والوقوف في وجه الأعداء... إنني أناشدهم أن ينبذوا خلافاتهم، وينتصروا على هوى أنفسهم، ويقفوا في وجه عدوهم صفًا واحدًا.
قال ابن عباس لسماك الحنفي: يا حنفي، الجماعة الجماعة!! فإنما هلكت الأمم الخالية لتفرقها؛ أما سمعت الله عز وجل يقول: ("وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ) (آل عمران: 103).
أشعر إن الغرب يضطرم الآن بعد أن رشح الدكتور محمد مرسي نفسه لرئاسة الجمهورية؛ لأنهم لا يريدون وحدة الأمة الإسلامية والتي سيكون مبدؤها من مصر، ولا يريدون أن يوجد من تلتف حوله الأمة وتتوحد، ولذلك فهم يوحون إلى شياطينهم في مصر ليعملوا على إفشال كل وحدة، وإزهاق كل تجمع، ونشر الفتن بين جميع الأحزاب؛ يقول المستشرق البريطاني مونتجومري وات: "إذا وجد القائد المناسب الذي يتكلم الكلام المناسب عن الإسلام، فإن من الممكن لهذا الدين أن يظهر كإحدى القوى السياسية العظمى في العالم مرة أخرى".
أو كما قال أرنولد توينبي: "إن الوحدة الإسلامية نائمة، لكن يجب أن نضع في حسابنا أن النائم قد يستيقظ".
إن الوحدة هي راية الإسلام المرفوعة، وركنه القويم، وحائطه المنيع، وهي التي أكسبت المسلمين في أول عهدهم قوة وعزة وغلبة ومنعة، مكنتها من الانتصار على جميع المعتدين، والوقوف في وجه دعوات اليهود والمنافقين، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)) (آل عمران).
أما أساليب التجريح والاتهامات المرسلة جزافًا، والتربص بكل خطأ، والتشهير بكل كبوة، والفرح بكل زلة، فإنها لن تغني من الحق شيئًا؛ كما أنها لا توحي بوعي حقيقي بالمرحلة التي تمر بها أمتنا، وهو ما ينذر بالدخول في جولة جديدة من الاقتتال الداخلي، ومن الضياع، ومن إهلاك الحرث والنسل، ومن تشميت الأعداء بنا، ومن الرجوع إلى نقطة الصفر.
يقول المبشر لورانس براون: إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية واحدة أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطرًا، أما إذا ظلوا متفرقين فإنهم حينئذ يظلون بلا قوة ولا تأثير.
في التاريخ شاهد صدق على ما يقوله هذا المبشر، فعندما وقع اختيار الأوربيين على "شارل مارتل" ليكون قائدًا لجيوشهم ضد المسلمين بقيادة "عبد الرحمن الغافقي"؛ كان شارل مارتل كيسًا داهية، فأجال فكره في واقع المسلمين وأحوالهم، فقرر أن يحتال، وأن يختار الفرصة المناسبة للدخول في المعركة الحاسمة مع المسلمين، فخطب في قومه قائلًا: "الرأي عندي ألا تعترضوا المسلمين الآن فإنهم كالسيل الجارف يجرف ما صادفه، وإنهم في إقبال من أمرهم، وقد عقدوا نيتهم، وأجمعوا أمرهم، فأصبح الرجل منهم يغني عن كثرة العدد، واتحدت قلوبهم فصارت أشد من حصانة الدروع، فأمهلوهم حتى تمتلئ الأيدي من الغنائم، ويتخذوا مساكن، ويتنافسوا على الرياسة، ويستعين بعضهم على بعض، فإن كان كذلك فإنكم ستتمكنون منهم بأيسر ما تبذلون".
وهكذا استطاع هذا القائد أن يضع يده على الثغرة، فقرر أن يستعين على بلوغ غايته من خلالها، وبالفعل ظهرت بوادر الاختلاف، وبدأت صيحات الجاهلية وما أعقبها من خلل يسري في صفوف المسلمين، ومثل هذا الجمع المتفرق لا أمل في نصر ينزل عليه.
وبدأ "عبد الرحمن الغافقي" يقود هذا الجيش الممزق لملاقاة جيوش "شارل مارتل" التي جمعها وجنَّدها، وأعدها للقاء الفاصل، والتقى الجمعان، ودارت المعارك، وظل القتال سبعة أيام، وانتهى بالنتيجة الحتمية للوضع الذي صار عليه الجيش المسلم. فقد قُتل القائد المسلم عبد الرحمن الغافقي، وأصابت المسلمين خسائر ضخمة، وحلَّت بهم الهزيمة. وبذلك توقف المد الإسلامي عند جنوب فرنسا.
يقول الشاعر:
كونوا جميعًا يا بني إذا اعترى خطب ولا تتفرقوا آحادًا
تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرًا وإذا افترقن تكسرت أفرادًا
سُئل الدكتور القرضاوي ذات يوم: كيف انتصر إالصهاينة علينا ونحن بضع وأربعون دولة؟ فقال: إنها انتصرت لأننا بضع وأربعون دولة ولو كنا دولة واحدة ما استطاعت أن تنتصر علينا. ليس المهم هو الكثرة، إن رسولنا (صلى الله عليه وسلم) حذرنا من عصر نكون فيه كثرةً كغثاء السيل فقال (عليه السلام): " يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ". فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوَهْنَ "، فقال قائل: " وما الوَهْنُ ؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت" (يوسف القرضاوي، لقاءات ومحاورات، ص 10-11).
"وغثاء السيل هو ما يحمله السيل من قش، وحطب وورق، وأشياء غير متجانسة، أشياء خفيفة سطحية لا وزن لها، ليس بينها تآلف، وليس لها هدف، لأن السيل ليس له مجرى معلوم كالنهر الذي له منبع، ومجرى، ومصب، أما السيل فإنه يجري حيثما اتفق لا يعرف أين يتجه .
إن أهل الباطل يتكتلون حول باطلهم، فأولى بأهل الحق أن يتجمعوا على حقهم. ومن فَرَّقتهم أيام الرخاء أهلٌ لأن يتجمعوا في ساعة الشدة، وإن المعارك الكبرى توحد المختلفين أمام العدو المشترك، وإن الأهداف التي ترجوها الأمة الإسلامية لن تتحقق إلا بالاتحاد ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب" (يوسف القرضاوي، جيل النصر المنشود، ص 25، بتصرف).
إن من أبشع أنواع الاختلاف، الاختلاف بعد معرفة الحق، وهذه علامة الهوى، ودلالة العجب، وشارة البطر: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم"، وحينئذ تتغير النفوس، ويُخدش صفاء الأخوة، ويكون الانتصار للنفس لا للحق والصواب، وللذات لا للمجتمع والأمة.
أعتقد أننا يجب أن نفيق الآن، فأمامنا في مصر تحديات عظام، فلا زال النظام القديم يعمل ليل نهار، ولا تزال القوى الاستعمارية تنظر إلى مصر نظرة الطامع لما فيها، والمتسلط على من فيها، وقد آن الأوان لأن ننبذ خلافاتنا وراء ظهورنا.
وهناك خمس واجبات يمكن أن تشكل وثيقة شرف بين الأحزاب جميعها لو اتفقت عليها والتزمت بها، وهي أن يقوم كل حزب تجاه الحزب الآخر بــ:
1 – إرشاده إن ضل عن الحق والتعقل.
2 – حجزه إن تطاول على حقوق الآخرين.
3 – الدفاع عنه إن هوجم من خصومه.
4 – القتال معه إذا استبيح بعد تثبت.
5 – عدم تركه في معارك الحياة وحده.
وبهذا نضمن ألا يدخل بين الأحزاب من يعكر صفوها، وينغص حياتها، أو يفرق جمعها، أو يلقي الفتن بينها..
إنني أنادي كل العقلاء والصالحين والمصلحين، وكل الغيورين من الوطنيين والشرفاء أن يفكروا في المستقبل، وأن يمدوا أيديهم لإخوانهم لئلا يغرقوا في بحر الفرقة، وأن يدفعوا عن أنفسهم غلبة الهوى وحب الذات والبحث عن المصالح الشخصية، ويتفقوا جميعًا حول هدف واحد؛ أن تعلو مصر، وينتصر الوطن.