لله سبحانه وتعالى سننٌ لا تتبدل ولا تتغير بتغير الزمان وتبدل المكان؛ ومن هذه السنن أن النصر لا يأتي إلا لمن هم موحدو الكلمة، وأن الانكسار يأتيهم حين يختلفوا، (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال : من الآية 46).
والله عز وجل ليس بينه وبين أحدٍ من خلقه نسبٌ، ولا يحابي ولا يجامل أحدًا، فسنته هذه نافذهٌ حتى على أحب العباد إليه.
في غزوة أُحُد جالد المسلمون حسب الخطة المحكمة الرائعة التي رسمها إليهم قائدهم (صلى الله عليه وسلم)، وأحرزت شجاعة وتلاحم وإيمان بضع مئاتٍ نصرًا مبهرًا على ثلاثة آلاف مشرك، وأضحت الهزيمة النهائية للعدو أمرًا لا شك فيه، إلا أن سير الأحداث قد قُلب حين اختلف فريقٌ منهم وهم الرماة على أمر قائدهم فنزلوا عن الجبل الذي أمرهم بالتزامه.
والتاريخ يروي أن اختلاف أمراء المسلمين كان سببًا في استيلاء الصليبيين على بيت المقدس وساحل الشام، واجتياح التتار للشرق الإسلامي، وسقوط الأندلس، وما صَحُب ذلك من مذابحٍ وحرب إبادة وتعذيب للمسلمين وهتك للأعراض يشيب له الولدان.
وما دُحِر الصليبيون، وما صُدَّ التتار، إلا بعد أن توحد المسلمون، وما زالت الأندلس حاضرةً في العيون.
ولعلنا نعيَّ من هذا أن فرقتنا هي سبب اجتراء الأعداء وتسليطهم علينا، وأن في وحدتنا إعلاءً لهيبتنا وهزيمة عدونا. لكن الكلمة لا تتوحد إلا بنبل الذات والإخلاص للمبدأ والوعي للواقع.
بعد عشرات السنين من مناهضة الباطل وتربية النشء وتوعية الناس قام الشعب المصري مُوَحَدًا بكل طوائفه بثورته التي أبهرت العالم مظهرًا أروع التلاحم، فالشباب المسلم هو الذي حمى الكنائس أيام الانفلات الأمني، وشهد الميدان فتاةً مسيحية تصب ماء الوضوء لشيخٍ مسلم، ولأول مرة تجتمع صلاةُ جمعةٍ وقداسٌ بمكانٍ واحد، وظهر من الليبراليين من يقول إنهم سلفيون حيث إنهم يطبقون شرع الله بدءًا من بيوتهم، وقال من السلفيين إن في الإسلام ما ينشده الإنسان من حرياتٍ في إطارٍ انضباطي. وقال الجميع نحن مصريون، نعيش على ضفاف النيل وتجمعنا الثقافة الإسلامية.
ومضى الكفاح بين شعبٍ مدافعٍ عن هويته يريد أن يسترد حقوقه ويتخلص من الهيمنة الأمنية، ويحيى بحريةٍ وكرامة على أرض أجداده وبين نظامٍ يريد أن يستمر في بسط سيطرته بكل وسيلةٍ غير مراعٍ في المصريين إِلاًّ وَلا ذِمَّةً.
وسارت خُطى الثورة متحديةً كلَ الأخطار من انفلاتٍ أمني وافتعالٍ للأزمات وغيرها. على أن ثَمة الخلاف الذي قد شاب شركاء الكفاح جعل هذه الخطى متئدةً غير متسارعة، والأمل معقود على وحدة الصف للمضي بالثورة لتحقيق أهدافها.
وخلال هذا المسار قدم الشعب الكثير من التضحيات، إلا أنها تضحياتٌ ترخص في سبيل الحرية والكرامة، ولعل العقلاء والشرفاء من قيادات الجيش كان لهم الفضل- بعد الله عز وجل- في حد كثيرٍ من الخسائر في الأموال والأرواح.
وأفضى السجال الآن إلى معركةٍ انتخابيةٍ على كرسي الرئاسة بين الضدين: فريق الثورة وفريق النظام السابق.
علاوةً على منطقية عدم الرجوع لنظامٍ انتفض الشعب ضده فمرشح فريق الثورة رجلٌ شديد التميز؛ فأبرز ما يميزه أن القلوب تتهادى إليه شيئًا فشيئًا، وهو الحائز على أعلى الدرجات العلمية وجوائزٍ في مجالات العلوم والسياسة، وقد عمل في أماكن عالمية علمية مرموقة حيث شاهد كيف تُخرج الإبداعات وتُستثمر الطاقات ويعلو الإنتاج، والرجل يريد شراكةً لا استئثار، وتُظْهِر أحاديثه العلم بأمور البلاد والعباد، ويحمل برنامجه مشروعًا نهضويًّا لمصرنا الحبيبة، وقبل ذلك كله فهو رجل على خلقٍ رفيع.
هكذا يقضي الحال بحتمية دعم واختيار مرشح الثورة الدكتور محمد مرسي.
إنني كمواطن مصري لا أنتمي لأي حزبٍ أتطلع مع سواد المصريين ليومٍ تعلو فيه التكبيرات، وتكثر السجدات، وتنهمر الدموع، وتخرج المسيرات، ويتعانق الناس، وتُوزع الورود والحلوى في الطرقات، وتدق أجراس الكنائس فرحًا، ويغني الأطفال هيا نبني الأوطان.
أتطلع إلى اليوم الذي نتكاتف فيه ونتحد خلف الدكتور محمد مرسي رئيسًا لكل المصريين لنبني وطننا ونلحق بركب الأمم.
-------------------
* استشاري هندسة إنشاءات