سياسية واقتصادية
دماء الشهداء أمانة في عنق الرئيس
الخميس 7 يونيو 2012 03:03 ص
كتب: بقلم: قطب العربي
لا أكتم خيبة أملي في الحكم الصادم في قضية مبارك وعصابته، ولا أدعي علما يقينيا بشخوص القتلة الحقيقيين، لكنني رأيت راي العين الشهداء يتساقطون من حولي يوم 28 يناير على كوبري الجلاء وأمام دار الأوبرا وعلى كوبري قصر النيل، كنا نتسابق في نقلهم إلى سيارات الإسعاف وهم مدرجون بدمائهم الذكية يلفظون أنفاسهم الأخيرة بعد أن اصيبوا بطلقات نارية في الراس او الرقبة أو البطن، كانت الرصاصات تأتينا من قبل قوات العادلي التي واجهتنا بشراسة، وبالتالي فالجاني معلوم بشكل عام، هم رجال مبارك والعادلي ومساعديه، وحتى إذا لم نمتك دليلا على ضباط أو عساكر معينين أطلقوا تلك الرصاصات القاتلة فالدماء كلها في رقبة مبارك والعادلي وكبار مساعديه وهم حسن عبد الرحمن وعدلي فايد وأحمد رمزي واسماعيل الشاعر وعمر الفرماوي وأسامة المراسي وغيرهم ممن لم تشملهم قائمة الاتهام.
ليس منطقيا أن يكون ثمن دماء الشهداء الذين تجاوزعددهم 700 شهيد حكما مؤبدا لفرعون وهامان وتبرئة جنودهما، ليس منطقيا بعد المقدمة البليغة لهيئة المحكمة عن الأوضاع المزرية التي قادت إلى ثورة 25 يناير، والتي دفعت أولئك الشهداء الأبرار للجود بأنفسهم أن تكون النتيجة هي البراءة للجميع، لأننا لو دققنا النظر في حكم المؤبد لمبارك والعادلي لوجدناه يحمل داخله مبررات نقضه في محكمة النقض، ليس منطقيا أن يقبل الثوار اللجوء إلى القضاء الطبيعي رغم حقهم منذ البداية في عقد محاكمات ثورية لرموز النظام السابق فتكون المكافأة لهم هي تلك الأحكام الصادمة التي تدفعهم للعودة إلى خيار المحاكمات الثورية، ليس منطقيا أن يبقي المجلس العسكري على النائب العام الذي عينه مبارك ليستمر نائبا عاما للثورة فيقصر في جمع الأدلة ويتذرع أمام المحكمة بأن الأجهزة المختصة رفضت التعاون معه، وكان بإمكانه أن يصرخ من البداية كاشفا هؤلاء الرافضين للتعاون معه.
دماء شهداء ثورة 25 يناير الذين مثلوا كل محافظات مصر وكل مسلميها ومسيحييها ورجالها ونسائها هي أمانة في أعناقنا جميعا، وأمانة كبرى في عنق الرئيس المقبل، وقد كان الدكتور محمد مرسي متسقا مع مبادئه وانتمائه للثورة حين تعهد أكثر من مرة بإعادة محاكمة قتلة الثوار بعد جمع الأدلة الكافية، لقد نعهد الدكتور مرسي بتشكيل فريق بحثي على أعلى مستوى من رجال القضاء والشرطة والمخابرات والأجهزة التنفيذية مهمته الوحيدة هي جمع الأدلة بعد ان عجزت النيابة الحالية عن تقديم الأدلة الكافية، ومن ثم تقديم هذه الأدلة الجديدة إلى القضاء لإعادة محاكمة القتلة، وهو عمل قانوني مائة بالمائة، وليس كما يدعي بعض القانونيين الموالين للنظام السابق أنه لايمكن اعادة محاكمة شخص على جريمة مرتين، فأصغر طالب في كلية الحقوق يعرف أنه يمكن إعادة المحاكمة في حال ظهور أدلة جديدة، وعلى العموم هذا حق لرئيس الجمهورية وسيستخدمه الدكتور مرسي حال فوزه.
حين يتعهد الدكتور مرسي بإعادة محاكمة القتلة وفق أدلة جديدة، فإنه يعني ما يقول، وهو قادر على الوفاء بهذا الوعد، وقد أكدت أسر شهداء الثورة ثقتها الكبيرة في الدكتور مرسي حين التقته قبل عدة أيام، وتركت هذه المهمة أمانة في رقبته، ولكنها أكدت في الوقت نفسه أنها ستأخذ حقها بيدها إذا لم ينل القتلة القصاص العادل بأحكام قضائية رادعة.
من المثير للسخرية والرثاء أن يتعهد مرشح نظام مبارك بأنه سيعيد الثورة لاصحابها، وسيحصل لأسر الشهداء على حقوق ذويهم، وهو الذي كان رئيسا للوزراء حين تساقط هؤلاء الشهداء أو عددا كبيرا منهم يوم 2 فبراير في معركة الجمل، ولم يحرك ذلك ساكنا لرئيس الوزراء حينها ويدفعه للاستقالة في أضعف الإيمان، بل إنه هو ووزارته من أتلفوا الأدلة التي تحدد ملامح القتلة وأماكنهم، والجهات التابعين لها، شفيق إذن هو من قتل القتيل ويمشي الآن في جنازته، وهو لايستطيع أن يلتقي وجها لوجه مع أي أم أو أب او أخ أو أخت لشهيد او مصاب، بل هو غير قادر أن يتحرك في الشوارع خوفا من أسر الشهداء الذين لن ينسوا دماء ذويهم ولن ينسوا أن هذا الرجل هو من حمى القتلة وتستر عليهم وأتلف هو ووزير داخليته ومدير حملته الانتخابية حاليا محمود وجدي أدلة ادانة القتلة.
ليس صحيحا ما يروجه شفيق وحملته وأبواقه أن مرسي يحمل مشروعا انتقاميا في مقابل مشروع تصالحي يحمله الفريق، فالانتقام الذي يشر إليه هو القصاص للشهداء، وهذا توجيه رباني كريم" ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب" وتحقيق القصاص بيد مؤسسات الدولة وقوانينها وقضائها هو الذي سيحقق الاستقرار في المجتمع بدلا من تحقيق القصاص على يد اسر الشهداء وما قد يتسبب فيه ذلك من تداعيات.
إذا كانت حقوق الشهداء حتى الآن ضائعة، فلسنا بحاجة إلى شهداء جدد يسقطون في محافظات مصر إذا فاز شفيق بالرئاسة، وهذه ليست دعوة للعنف، لكنها استشراف للمستقبل، إذ أن الشعب الذي ثار على مبارك وخلعه من رئاسة الجمهورية، وثار على شفيق رئيس وزراء مبارك وخلعه من من رئاسة الوزراء لن يسمح بعودته رئيسا للجمهورية بينما دماء الشهداء لم تجف بعد، والذين يتوقعون ان يحقق شفيق لهم الاستقرار هم واهمون، فالمظاهرات لن تتوقف حتى يسقط كل رموز نظام مبارك، والمظاهرات لن تتوقف حتى يتم تقديم شفيق نفسه للعدالة بتهمة التستر على القتلة واخفاء او إتلاف أدلة الإدانة، فقد صرح قبل يومين لبرنامج تليفزيوني ان بعض أصحاب اللحى هم من قتلوا الثوار وهذا أمر لايمكن تمريره بدون تحقيق، فإما أنه كانت لديه هذه المعلومة من قبل ولم يبلغ بها جهات التحقيق، وإما أنه يكذب ويتنصل من الجريمة محاولا إلقائها على بعض أطراف الثورة ذاتها، وفي كل الحالات نحن أمام مرشح محاصر بدماء الشهداء، ومحاصر باتهامات جنائية ومالية وسياسية لايصلح معها أبدا أن يكون في موقع الرئاسة بل إلى جوار مثله الأعلى مبارك في سجن طرة.