لقد كان الشعب المصري الأصيل مع فجر الخامس والعشرين من يناير 2011، ومعه العالم العربي والإسلامي أجمع، على موعد عظيم مع نسمات الحرية المصرية، وعبير الكرامة الإنسانية، موعد مع قضاء السماء الذي يمهل ولا يهمل، مع عدالة الحكم العدل سبحانه وتعالى الذي يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته، مع رياح الثورة المصرية العظيمة، والهبة الشعبية الأصيلة التي أتت على عروش الطغاة والظالمين، فزلزلت العروش، وهدت الطغاة، وأزاحت من فوق أنفاس وصدور المصريين أكابر الظالمين والفاسدين، وتذوقنا – وكأنها - لأول مرة تلكم المعاني العظيمة، والإشارات الربانية الكريمة التي تضمنها قول الله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26)) (آل عمران)، كما أدركنا ولأول مرة أيضًا ما قطعه الله على نفسه نحو الظالمين في قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ " إبراهيم آية رقم (42)) (إبراهيم).
ومرت الأيام الأولى للثورة التي أزاحت المخلوع حسني مبارك عن عرش مصر، بصورة أذهلت من حولنا العالم كله، حكَّامًا ومحكومين، ساسة وقادة، وزراء وسادة، مثقفين وغير مثقفين، رجالاً ونساءً، شبابًا وشيوخًا، في الدول القريبة والبعيدة، والعدوة والصديقة، حتى إن بعضهم وأكابر الساسة فيهم اعتقد ضرورة تدريس روائع الثورة المصرية الأصيلة لشباب بلده حتى يتعلموا منها كيف تذوب الخلافات، وكيف تصان الحقوق، وكيف تحمى البلاد. لقد رأينا هذا العجب العظيم من أكبر زعماء العالم، وفي مقدمتهم باراك أوباما الذى قال: يـجب أن نربي أبـناءنا ليصبحوا كشباب مصر، ورئيس وزراء إيطاليا الذي قال: لا جديد في مصر فقد صنع المصريون التاريخ كالعادة، وستولتنبرج رئيس وزراء النرويج الذي قال: اليوم كلنا مصريون، وﺭئيس ﻭﺯﺭﺍﺀ بريطانيا الذي قال: يجب أن ندرس الثورة المصرية في المدارس، وهاينز فيشر رئيس النمسا الذي قال: شعب مصر أعظم شعوب الأرض و يستحق جائزة نوبل للسلام.
بهذه الرؤية وبهذه المشاعر استقبل زعماء العالم ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، ورفع كل مصري في الداخل والخارج رأسه، وبات كل الشباب المصري الأصيل يتغنى بمحبوبته ومعشوقته مصر قائلاً:
يا مصرُ يا أمَّ البلادِ جميعها يا من حفظتِ لنا الهدى والدينا
يا من مددتِ الغربَ من أنوارنا أعطيته من قبل أن يعطينا
يا من لصدر الأرض كلُّ ريادةٍ تدعوك.. مصرُ وتحرزُ التأمينا
يا من يُقَلِّدُك الزمانُ على العدا وهو الحلى، النصرَ والتمكينا
يا مصرُ يا أرضَ الكنانة والندى ما عاد غيرك في الورى يُغنينا
يا مصرُ يا أرضَ الكتائب في الوغى أضحت طغاة الأرض لا تعنينا
يا مصر قد شق الصباحُ ظلامنا والفجرُ عند بزوغه يُغرينا
فاستخرج الأبطالُ وقتَ مخاضه يا مصرُ من رَحِمِ الحياة جنينا
لقد أخرج الشعب المصري الأصيل من رحم يوم الخامس والعشرين من يناير جنين الحرية التي ولدت من جديد، وجنين الكرامة التي أشرقت على التراب المصري مرةً أخرى، لكن المفاجأة التي أذهلتنا ونحن نعيش أجواء الثورة، أن آخر رئيس وزراء لمصر في عهد المخلوع حسني مبارك، بعد أن أزاحته الثورة وخلعته هو أيضًا، بواحدة من المليونيات الشهيرة التي كان يشهدها ميدان التحرير بالقاهرة وهو د. أحمد شفيق، وبعد أن حشرته اللجنة الانتخابية العليا حشرًا مع بقية المرشحين، رغم صدور قانون العزل السياسي الذي يطوله، إذا به يطل على الشعب المصري من جديد مرة أخرى، ومن نافذة الانتخابات الرئاسية بعد أن أحرز تقدمًا في الجولة الأولى للانتخابات ووصل فيها إلى المركز الثاني بعد مرشح حزب الحرية والعدالة د. محمد مرسي.
وبصرف النظر عن حدوث تزوير لإرادات بعض فئات الشعب المصري أم لا، فلقد نزلت بذلك على مصر الكارثة التي يمكن أن تأكل الأخضر واليابس في الثورة المصرية العظيمة، إذ يتوقع نجاحه بعد أن استطاع أن يحصد من مصر كل هذه الأصوات في هذه الملحمة الانتخابية العظيمة، والأكثر من ذلك، المفاجأة الكبرى التي قام ببطولتها بعض رجال القضاء المصري العظيم، والذي فاجأ معظم الشعب المصري ببراءة مساعدي وزير الداخلية حبيب العادلي، الذين كانوا مع كبيرهم على رأس وزارة الداخلية وقت الثورة، والتي قتل فيها من قتل، وجرح فيها من جرح، على مرأى ومسمع من العالم أجمع، فإن كانوا يعلمون- ولا نشك في ذلك- فتلك مصيبة يجب معاقبتهم عليها؛ إذ كيف يتولون حماية الشعب ثم يقتلونه أو يرضون بقتله، وإن كانوا لا يعلمون فالمصيبة أعظم والخطب أفدح، ويجب أن يكون العقاب أشد، إذ كيف يتولون أمورنا ثم يهملوننا، وعلى هذا فالمسئولية تلحقهم، علموا أو لم يعلموا، أمروا بالقتل أو لم يأمروا به، تلقوا الأمر بذلك أو لم يتلقوا، فالدماء في أعناقهم، والمسئولية تلزمهم.
ومن خلال وصول شفيق للإعادة وصدور الحكم بهذا الشكل نشعر بأن الثورة في خطر عظيم، وأن أعداءها يعملون ليلاً ونهارًا على إطفاء شعلتها وإخماد جذوتها، وباتت بالنسبة لهم معركة حياة أو موت؛ لذا وجب على الشعب المصري الأصيل أن يحزم أمره ويعقد عزمه على حماية ثورته، وأن ينتبه لما يدور حوله، وأن يصحو جيدًا لما يدبر له، ويحاك لمستقبله، لأنه- لا قدَّر الله- لو صعد شفيق إلى سدنة الحكم بعد الثورة التي أسقطته سابقًا، ستتحول الثورة في مصر إلى عورة، وسنخجل منها ما حيينا، ولن نستطيع أن نداوم على رفع رؤوسنا والاستمتاع بكرامتنا وعزتنا أمام العالم أجمع مرة أخرى، بل وسيتحول إعجاب العالم بنا إلى سخرية واستهزاء؛ لأن عهد مبارك حينها سيظل متصلاً. وسيعمل في ستر العورة.
---------------
* أستاذ مشارك بجامعة البحرين وجامعة الأزهر