الأحداث متسارعة والتوقيتات مختارة بل مدبرة بعناية، ومن ثم نقفز مباشرة لحقائق ومعطيات المشهد التاريخي المفصلي وتوصيات التعاطي معه.
أنشط ذاكرتنا الوطنية بجملة من الحقائق التي تساعدنا على فهم السياق العام الذي جاءت فيه المحاكمة:
ــ من أبجديات ثورة 25 يناير أنها حاءات انقلابًا وتغييرًاللنظام الحاكم الفاسد.
ــ نجاح ثورة 25 يناير يعني فرض شرعية ثورية جديدة بديلة عن الشرعية الدستورية القائمة، ويستمر ذلك حتى كتابة دستور يتوافق عليه المصريون.
ــ الغايات العليا التي قامت من أجلها الثورة وضحَّى الشهداء بأنفسهم هو إزالة نظام مبارك بأكمله كأشخاص وأفكار ومؤسسات ومشاريع وسياسات، وليس حفنة من قادة النظام أو شخص مبارك نفسه.
ــ جمال مبارك ورجاله، ممثلين في لجنة السياسات وسلسلة الوزارات المتعاقبة من 2000 إلى 2011، وهم الذين حكموا مصر على مدار العشر سنوات السابقة للثورة، وهم الذين أفسدوا ودمَّروا الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتهاووا بمصر إلى ذيل الأمم وحافة الهوية.
ــ امتداد الفساد لجهاز القضاء المصري واضح وبيّن وصارخ على مدار العشرين عامًا الماضية.
ــ المحكمة التي تحاكم النظام الزائل هي نفسها جزء من هذا النظام؛ أي أن النظام يحاكم نفسه!.
ــ النائب العام المسئول عن التحقيق وجمع أدلة اتهام النظام هو جزء من النظام أي أن النيابة والنائب العام المسئول عن التحقيق وجمع أدلة الاتهام هو من يجمع الأدلة على نفسه!.
ــ أحمد شفيق مرشح النظام للرئاسة!! هو آخر رئيس وزراء في النظام الزائل وهو المسئول الأول عن إتلاف والتخلص من كل أدلة الثبوت والاتهام للنظام، ومن ثم هو اخلص وأأمن وأوفى الخلق للنظام السابق، ومن ثم من الطبيعي أن يكافأ بمنصب الرئيس الجديد!.
ــ بالتأكيد الشعب المصري شعب صبور وقنوع كما هو أيضًا حي ويقظ وشجاع وغيور على شهدائه وعرضه وكرامته.
في سياق هذه المنظومة من الحقائق يمكننا أن نؤكد أن:
ــ المحاكمة التي تمت تمثل الفصل الثاني من المسرحية الهزلية للانقلاب على الثورة وتفريغها من مضمونها ومحتواها الحقيقي بإزالة كل أركان النظام السابق ومحاكمتهم ثوريًّا والتخلص منهم بأسرع وقتت ممكن.
ــ المحاكمة التي تمت محاكمة سياسية هزلية من الوهلة الأولى وحتى المشهد الأخير.
ــ المحاكمة التي تمت تمثل استهانة بالغة بالشعب المصري كله وبتاريخه وبشهداء ومصابي ثورة 25 يناير.
ــ حقيقة الأمر النظام السابق وعلى رأسه جهاز الشرطة الفاسد البغيض يخرج لسانه للشعب المصري.
ــ حقيقة المشهد أن هذه المحاكمة تحاول تقنين وتوثيق الفساد والاستبداد الشرطي إلى الأبد.
ــ ملخص ما حدث هو رد الاعتبار لنظام مبارك وأركانه، وإعادة إنتاج قانوني لنظام مبارك بشكل جديد.
ــ حقيقة ما جرى بقيادة المجلس العسكري هو محاولة لتسوية سياسية تعود برموز النظام السابق إلى الحكم مرة ثانية، وتحفظ للجميع مكتسباته، وتعود بالشعب الثائر مرةً ثانيةً إلى أقفاص وسراديب الذل والاستبداد والاستعباد السياسي مرةً ثانيةً.
ــ عنوان ما حدث هو محاولة لتحقيق نبوءة مبارك الفاسد بخيار أنا أو الفوضى
وأنا تعني أنا كنظام سقط ولكنه يستعيد عافيته على أطلال الفوضى والتآمر والفساد
وخيانة الوطن.
ما أخاف واحذر منه هو أن:
ــ يسوق للشعب المصري مفهوم اختزال النظام السابق في مجموعة أشخاص أو شخص ما على حساب المفهوم الشامل للنظام كأفكار ومنهاج وسياسات تفكير وحكم وأشخاص ومؤسسات وطنية تحولت إلى أدوات شخصية في يد الحاكم الفاسد المستبد
بالتأكيد قبول الحكم يعني جملة من الأشياء البغيضة البعيدة عن تفكير ونفس كل وطني مصري مخلص وغيور على مصر.
ــ منح شفيق فرصة استعادة المبادرة وقيادة النظام السابق نحو السلطة مرةً ثانيةً.
ــ بيع وخيانة أرواح و دماء الشهداء الغالية.
ــ التنازل عن أهداف الثورة.
ــ الموافقة الصريحة على إعادة إنتاج النظام القديم بشكله الجديد.
- حقيقة وواجبات الرفض:
بالتأكيد جل الشعب المصري رافض لهذه المسرحية الهزلية، ولهذا الحكم المهين
لتاريخ وكرامة مصر الوطنية، ولكن هذا الرفض لا بد أن يبلور في موجة ثانية من موجات الثورة، ولكنها موجة تسونامية، ربما بل بالتأكيد لن تخلوا منها الدماء
موجة ثورية تسونامية ثانية تعود لكل ميادين التحرير على ألا تعود إلا وقد اقتلعت النظام السابق من جذوره (أشخاصه، مؤسساته، وسائله وأدواته...الخ).
الغاية كبرى والأهداف عظيمة ومن ثم ستكون التضحيات باهظة، خاصةً بعد أن استرد النظام السابق جزءًا من عافيته ومعنوياته في العودة للسلطة مرةً ثانيةً، الآن أصبح التحالف والاحتشاد الوطني واجبًا وطنيًّا ودينيًّا وتاريخيًّا.
- إلى الميدان فهو محرابنا، إلى الميدان فهو سبيلنا لتحرير بلادنا، إلى الميدان رمز كرامتنا وعزتنا والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وما النصر إلا صبر ساعة، هذه المرة نعاهد ربنا وشعبنا ألا نعود إلا وقد اقتلعننا النظام السابق من جذوره.