جرت العادة دومًا على أن تكون لكل سلطة إعلام يتحدث بلسانها، ينشر أخبارها، يعلن عن إنجازاتها، بهدف الوصول إلى حالة الرضاء الشعبي التي غالبًا ما يفتقدونها بسبب تحقيق ما يقولون على أرض الواقع، وكذلك الحال بالنسبة للأحزاب التي ما لبث أي حزب في اتخاذ قواعد التأسيس ليسارع في إنشاء صحيفة تتحدث بلسانه تنشر أيديولوجيته، أدواته في حل المشكلات القائمة بغية استقطاب أكبر قدر من المؤيدين لهذا الفكر الجديد، ولم نلبث أن ينتشر هذان النوعان من الصحف السلطوية "القومية"- كما يحلو للبعض أن يقول- أو الحزبية إلا وخرجت علينا صحف تتخذ في ظاهرها الطابع المستقل أو كما يقولون عنها صحفًا مستقلةً والتي أراها تجارية أكثر منها إعلامًا مستقلاً فالاستقلالية تنفي عن نفسها صفات مجاملة السلطة أو الانحياز لفكر أو اتجاه سائد وهو ما لم يكن معهودًا لدينا أبدًا، وكذلك الحال بالنسبة للفضاء الإعلامي الجديد "الإعلام المرئي".. والمتابع لتاريخ وكالات الأنباء الدولية التي باتت الآن مسيطرة على أجواء المشهد السياسي والإعلامي معًا بقدرتها على نقل الأحداث، سيجد بلا غضاضة أنها كانت في بدايتها مملوكة لأشخاص بعينهم وليست لسلطة أو لحزب وسرعان ما وجدنا السلطات تنافس بعضها في محاولة لتأميمها لصالحها وتدعيم سياستها.

 

ما ذكرته ليس إجابة على سؤالي الذي طرحته كعنوان للمقال وإنما بمثابة توضيح يستدعي التحليل لمجريات حالنا الإعلامي القائم، وحينما كتبت مقالي "الإعلام وفوضوية صناعة القرار" في هذا المكان استقبلت تعليقات كثيرة أبرزها تعليقًا للكاتب الصحفي وأحد أبرز الوفديين الشباب الأستاذ شريف عارف رئيس تحرير صحيفة ميدان التحرير الإليكترونية قائلاً نصًّا "مقال جيد يا أستاذ محمد ولكنني أسأل مثل غيري.. هل لدى الإخوان إعلام؟".. لذا ذكرت ما ذكرته في مقدمتي لتوضيح بعض الأمور قبل انخراطي في توضيح الغيوم عند البعض حول حقيقة أن للإخوان إعلامًا أم لا.. وبما أنني لا أحب أن أدخل في رؤوس الناس فلا أعرف ماذا يقصده الأستاذ شريف في سؤاله تحديدًا فالسؤال يحمل من المعاني كثيرًا فالسؤال يحتمل إما أن الإخوان لا إعلام لديهم وإن كان موجودًا فأين؟، وإما أن الإخوان يمتلكون إعلامًا هشًّا، أو أنهم يمتلكون إعلامًا لا يعبر عن أحد سواهم بغض النظر عن التيارات الأخرى.. وفي كل الأحوال تتلخص إجابتي في متناقضين الأول نعم لدى الإخوان إعلام.. والثاني الإخوان ليس لديهم إعلام!!...... واحتمالات كلٍّ منهما حقيقية على أرض الواقع فلا أكتب تلك المتناقضات على أنها لغز ولكني أكتبها لأنها تعبر عن ثوابت لا يريد المناوئ للإخوان تفهمها عن قصد!!

 

فالإخوان لديهم إعلام قوي ومؤثر في الشارع أكثر من الإعلام المعهود لدينا للأسباب الآتي ذكرها:

أولاً: لأننا في دراستنا للإعلام كنا على الجانب الآخر ندرس علم التسويق،وهذا العلم يقول إن أكثر وسائل الإقناع هو ما يسمى بـ"المقابلة الشخصية" أو ما يعرف ب"face to face".. فأدوات الإقناع بالمنتج أو الفكرة لها عدة أساليب أبرزها أن تواجه المستهلك بما لديك، تتعرف منه على احتياجاته وأساسياته في الحياة، ويتعرف منك على منتجك وأدواتك وسبل فضليات ما تمتلكه عن غيرك.. وهو ما يفعله الإخوان في مجريات حياتهم،وهنا لا بد أن نذكر أن من زرع فيهم هذا الفكر هو الشيخ حسن البنا رحمه الله- مؤسس الجماعة- الذي قام بجولات في مختلف المحافظات ومدن وقرى مصر من شمالها إلى جنوبها لا يعرف الناس فقط على فكر الإخوان وإنما على أسس الإسلام الصحيح وكيف أنه منهج حياة وهذا الرجل سبق عصره بمئات السنين،وتوصل إلى كيفية الوصول إلى الناس الذي هو في الأساس عمل الإعلام حتى وصل مؤيدوه في وقت بسيط إلى ثلث المصريين بحسب قراءاتي البسيطة، وانتهج نفس النهج شباب الإخوان وتعرفوا على أساسيات الوصول لرجل الشارع.

 

ثانيًا: قدرة الإخوان على تفهم الحالة الطبيعية للثقافة المجتمعية من أمية وفقر شديدين، وهو ما ساهم كثيرًا في تقصير المسافات بين الإخوان والمواطن البسيط، فرجل الشارع العادي ليست لديه القدرة على أن يجلس أمام برنامج حواري ساعة أو ساعتين، تستخدم فيه أصعب المصطلحات السياسية والاقتصادية أو حتى نشرة أخبار يأس من تكرار ما يسمه يوميًّا من وعود وعهود براقة ولا يجد ما يشير إلى ذلك في حياته ولا يفكر سوى في تدبير أحواله وأولاده الذي يخشى عليهم من تكرار تجربته المريرة، أصبح في حاجة لمن يجلس معه يشعره بقيمته المفقودة، يتتبع أخباره، يفكر في حل مشاكله قبل أن يغرقه في علوم السياسة، وهو ما فعله وما يفعله الإخوان عبر مساهمات أعضائه ومجهودات شبابه وليس كما يقولون تمويلاً خارجيًّا واستمرار نفس نغمة كل الأنظمة التي كانت تقف حائلاً أمام المساهم الاجتماعية تجاه إخوانهم في مصر وخارجها!!.. أنشئوا الجمعيات الأهلية والخيرية ما هو كافٍ لأن يتعرف الناس على الإخوان، أخرجوا من حفظة القرآن وأئمة المساجد ما هو كفيل لأن ترفع لهم القبعة "كما يقولون".

 

وهنا تحضرني إحدى المواقف التي مررت بها في حياتي المهنية، ففي حواري مع دكتور عبد الحي عبيد وهو أحد أعضاء الحزب الوطني المنحل وكان أمينًا عامًّا له بمحافظة حلوان وكان ذلك قبيل الانتخابات البرلمانية 2010م التي شابها من التزوير البين ما هو كافٍ لأن تقوم ثورة، وسألته ما هو الفرق بين الحزب الوطني والإخوان المسلمين، فرغم الآليات والإمكانيات التي يمتلكها الحزب الوطني إلا أنه غير قادر على الوصول للشارع مثل الإخوان المسلمين؟ فأجابني ببديهية غريبة، الفرق هو فشل الحزب الوطني في تسويق نفسه على النطاق الاجتماعي ونجاح الإخوان في ذلك!!.. لذا عرفت أن غير الإخوان من الساسة يتفهمون جيدًا قدرة الإخوان في الوصول سريعًا للشارع ومع ذلك يعاندون في توجيه طعنات من خلال إعلامهم البراق بدون الاعتراف علانية بفشلهم!!.

 

أما التكهنات بأن الإخوان لا إعلام لديهم، فهذا صحيح للأسباب التالية:

أولاً: العلاقة بين السلطة والإخوان دائما ما كانت تتسم بحالة من الصراع سرعان ما تتحول إلى انتقام من الإخوان وهو ما نعلمه منذ أن ظهر الإخوان على الساحة، فليس من المعقول أن تترك السلطة للإخوان حرية إنشاء كيانات إعلامية تعبر عنهم ويرصد نبض الشارع الحقيقي التي غالبًا ما كان يزيفها إعلام السلطة، وحتى لو كانت هذه الكيانات موجودة فكان يمارس عليها من التضييقات الأمنية العنيفة،وأعتقد أن تجربة موقع (إخوان أون لاين) خير شاهد على ذلك من الممارسات غير المعقولة من قبل أمن الدولة إضافة إلى اقتحامه يومًا بعد الآخر وكأنهم يرتكبون جرمًا!!، ولا ننسى أيضًا صحيفة (آفاق عربية) التي كانت مثالاً يحتذى به للإعلام الحيادي الجاثم على صدر السلطة، الكاشف لمفاسده، ولم يكتب لها البقاء بسبب ممارسات السلطة ضد الإخوان وغير ذلك كثيرًا من الأمثلة رغم ما أتاحته السلطة نفسها لباقي الأحزاب من إنشاء لسان معبر عنها رغم ما تعانيه من فقر شديد في الوصول للشارع وتعلق شماعة فشلها من خلال هجومها للإخوان بسبب أو بدون سبب!!.

 

ثانيًا: ليس للإخوان قدرة على إنشاء كيانات إعلامية ضخمة ينفق عليها مليارات الجنيهات كما نرى حاليًا، في ظل نفس الممارسات ضد رجال الأعمال إما بمصادرة أموالهم أو وضعهم في المعتقلات والسجون وجعلهم خلف القضبان دائمًا حتى لا يروا النور.

 

ثالثًا: أي كيان مؤسسي يمر في بادئ أمره بحالة من الضعف وهو ما تعاني منه كيانات الإخوان الإعلامية التي لم يمر على إنشائها أكثر من عام، فلا تطالبوهم حاليًا بما هو خارج عن إرادتهم، كما أنه وللأسف الشديد الكثير من الصحفيين والإعلاميين غالبا ما نراهم يتنصلون من العمل في أي كيان إخواني بالرغم من أنه قد يقبل بما هو غير ذلك حتى ولو كان ضد مبادئه هو شخصيًّا!!.

 

ولكن سؤالي الآن هل لدى مصر بسلطتها وأحزابها إعلام حقيقي ينأى برغباته ويعبر عن الشارع؟، أتمنى أن يبادرني أحد بالإجابة، ولماذا تغيب الصحف المصرية عن ترتيب أفضل الصحف العالمية؟، لكن يبدو أننا في حاجه إلى إعادة النظر في أشياء كثيرة وبالتحديد في خريطة المؤسسات الإعلامية المصرية، وأتمنى أن ينظر الجميع بعين المتفحص ويسأل نفسه لماذا ينجح الإخوان في تحقيق أرضية يكسبها من الشارع وتظهر عقب اكتساحهم في كل انتخابات خاضوها رغم الحملات الإعلامية الشرسة.. في النهاية لست هنا محل الدفاع عن الإخوان فهم أقدر مني بذلك لكنني أكتب ما يمليه على ضميري وما أراه من رؤية واقعية.

 

لك الله يا مصر