يحسب البعض أن المعركة الدائرة حاليًّا كالمعارك القديمة بين جماعة الإخوان المسلمين والحزب الوطني أو أنها مجرد سجال انتخابي بينهم، كما كان يحدث من قبل في ظلِّ الانتخابات الصورية التي كان يديرها الحزب الفاسد، والذي كان ناتج كل منها في كل مرةٍ في القضاء هو القضاء على خيرات الوطن من ثروة بشرية ومادية هائلة بتمكين أكبر مجموعة من الفاسدين في رقاب الناس والتحكم في مقدرات بلادهم.

 

نعم، قد يحسب البعض ذلك فيتواني عن أداء المطلوب منه في عملية إنقاذ الوطن من براثن ذلك النظام الغاشم الذي طالما جثم على صدورنا حقب طويلة تاركًا العملية كلها لمن يحسب أنهم أصحاب المعركة وهم الإخوان المسلمين.

 

والآن وقد جد الجد فأصبح لزامًا على الجميع أن يفقه إلى أين وصلت المعركة اليوم لأنه في الحقيقة ما عاد هناك مجال للسجال الانتخابي وما عاد وقت للجدل، إن ما وصلنا إليه اليوم هو أن ثورتنا العظيمة أصبحت في خطر محدق بها، وإن من واجب كل مواطن مصري شريف أن يهب وينتفض لحماية ثورته، فكلنا  قد أُضِرنا، وكلنا قد أصابنا من شظايا نظام فاسد، وكلنا قد هالنا مشاهد الدماء لشباب من خيرة شباب مصر، وكلنا قد تكبدنا مرارة التجهيل والتجويع والإمراض، كلنا قد دفعنا ثمنًا غاليًا عبر سنوات عجاف يريدون بكل قوتهم وبكل جبروتهم أن يعيدونها مرة أخرى ويضعوننا في خانة ضيقة ليصوروا الأمر على أنه مجرد سجال انتخابي بين الإخوان المسلمين وفلول الحزب الفاسد.

 

إنها معركة بين الحق والباطل، بين الثورة العظيمة والنظام السابق بكل ثقله، بين شعب أراد أن يعيش وبين جلاديه الذين ساموه سوء العذاب، بين أن نكون أو لا نكون.

 

ولن يستطيع فصيل واحد مهما كانت قوته أن يقف وحده في مواجهة آلة التزوير وشراء الضمائر الميتة التي لم تستطع أن تقدر قيمة دماء أهدرت في سبيل حرية وكرامة الوطن والإنسان المصري.

 

إننا إذا أردنا أن نستعرض سوءات النظام المخلوع ما استطعنا أن نصل إلى نهاية مرجوة، نظام كان آخر ما يهمه هو الإنسان كقيمة حضارية يمكن أن تصنع المستحيل وتبني حضارات فقط إذا ما توفر لها الحد الأدنى من مقومات الإنسانية.

 

يقول الإمام أبو حامد الغزالي: "إن مقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم..فكل من يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة.. وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة.. وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليها ملة من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق".

 

تلك هي مقاصد الشرع بالنسبة لأي إنسان مطلوبة من الحاكم الذي يلي أمر المسلمين وغيرهم:

حفظ الدين لأي مواطن فلا يفتن في دينه، ولا يحاكم بسببه، ولا يضيق عليه في عبادته، ولا يحرم الرزق لانتمائه، والأهم من كل ما سبق أن يحكم بدينه، نعم فمن حق المسلم وكذلك من حق المسيحي أن يحكم كلاهما بدينه، فلا تدخل من الدولة المسلمة في حق الكنيسة ولأهل الإنجيل أن يحكموا به داخل كنيستهم بلا تدخل من بعيد أو من قريب، بل لهم حق البر وحق القسط (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)) (الممتحنة)، إنه أمر من المولي عز وجل بالبر الذي فيه المودة والرحمة والقسط أي العدل وإعطاء جميع الحقوق.  

 

 وبدأ بالدين لأنه أكثر ما يهم الإنسان الطبيعي وعلى مر التاريخ وجدنا الملايين تموت دون دينها حفاظًا عليه وذودًا عنه، والحاكم الذي يلي أمر الدولة المسلمة أول أمر منوط به هو حفظ الدين علي صاحب كل ديانة، فلا يدنس مسجد، ولا تقتحم كنيسة ولا دير.وتتوالى المقاصد من حفظ للنفس فلا يعتدي عسكري مرور على المارة، ولا يصبح دخول قسم الشرطة مصيبة من المصائب التي لا تحتمل، حفظ النفس فلا يطرق بابك زوار الفجر فتذهب ولا تعود، حفظ النفس فلا يتعرض قاطع طريق لمواطن,, ولا يخاف السوء على ابنته وهي في طريقها إلى المدرسة أو الجامعة، حفظ النفس في توفير كوب ماء نظيف، ورغيف خبز يليق بآدمية الإنسان، وعمل يحفظ كرامته وراتب يكفيه لنهاية الشهر، ثم تتوالى المقاصد التي هي الحد الأدنى في مقومات المجتمع الإنساني من حفظ للعقل وللمال والنسل، وكل تلك المقاصد حرمنا منها جميعًا، لم يسلم مسلم أو قبطي، لم يسلم إخواني أو ناصري، ولم تفرق آلة الفساد المنظمة بين أي من أطراف المجتمع.

 

ومن هنا أصبح لزاما علي الجميع- ليس اختيارًا- أن يتحرك لإزالة ذلك النظام الغاشم الذي يلملم نفسه ظنًّا منه أن الشعب قد ملّ وأنه لم يعد هناك أنفاس لملاحقته، وأن بضع جنيهات ينثرها هنا وهناك كفيلة بأن تشتري ضمير أمة، أصبح لزامًا على الجميع وفاء لدماء أهدرت وأعضاء تناثرت، ومستقبل مضيء لأبنائنا حلمنا به جميعًا يكاد ينفلت من بين أيدينا جميعًا ونحن عليه شهود، انزعوا سدة الحكم من بين أيدي هؤلاء المجرمين الذين هم في حقيقة الأمر ليس لهم مكان بيننا، وإنما مكانهم هناك بين شركائهم في مزرعة طره؛ من جرَّاء ما قدموه من سوء لهذا الشعب الطيب، إنها ليست معركة الإخوان، وإنما هي معركة كل مصري شريف حلم يومًا بيوم حرية مصر.