أسدل الستار على الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة المصرية، وأفرزت حقيقةً ربما لا تُرضي الكثيرين ممن أمّلوا خيرًا في الشعب المصري بعد ثورة يناير؛ هذه الحقيقة مفادها أن قطبي المعركة التقليديين (الإخوان والحزب الوطني) هما اللذان ما زالا يملكان مفاتيح المعركة، وفي جعبة كلٍّ منهما الكثير من الأوراق التي يمكن أن يقلب بها الطاولة في أي وقت.

 

وإزاء هذا الموقف الذي نحن فيه أجد البعض مصابًا بحالةٍ من الإحباط، وبعضهم عنده حالة من القلق، وهو قلق مبرر على ثورة غالية على الجميع، تنتظر الأمة كلها الخلاص من ربقة الاستعباد والاستعمار الداخلي والخارجي على يديها.

 

ولأن القرآن الكريم علمنا في حادثةٍ تبدو في ظاهرها شرًّا كلها؛ حيث نالت من أشرف وأطهر عرض على وجه الأرض فقال: (لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)؛ فإننا يمكن أن نتلمس مظاهر الخير فيما حدث فيما يلي:

أولاً- أول مظاهر الخير فيما حدث هو هذه الحالة من الاصطفاف الوطني الحقيقي المتوقعة بين مختلف شرائح المجتمع؛ حيث كثيرًا ما اختلفنا حول وسائل وآليات العمل، لكن سرعان ما يوجد الله لنا فرصة للاتفاق والتوحد.

 

ثانيًا- أراد الله عزَّ وجلَّ ألا يكون نصرنا سهلاً فنُفرِّط فيه بسهولة، وهو ما عبَّر عنه أ. سيد قطب بقوله: "النصر السريع الذي لا يُكلِّف عناءً، والذي يتنزل هينًا لينًا على القاعدين المستريحين يُعطِّل تلك الطاقات عن الظهور؛ لأنه لا يحفزها ولا يدعوها".

 

وذلك فوق أن النصر السريع الهين اللين سهل فقدانه وضياعه؛ أولاً لأنه رخيص الثمن لم تُبذل فيه تضحيات عزيزة، وثانيًا لأن الذين نالوه لم تُدرَّب قواهم على الاحتفاظ به، ولم تُشحذ طاقاتهم وتُحشد لكسبه؛ فهي لا تتحفز ولا تحتشد للدفاع عنه".

 

ثالثًا- أراد الله عزَّ وجلَّ أن نظل على التجائنا ودعائنا وتضرعنا له، ويقيننا بأن النصر والتمكين بإرادته هو؛ فالبعض ربما كان سيغتر بقوته ويظن أن الأمر حُسم بجهده لو تم ذلك من المرة الأولى، لكن أراد الله تعالى أن يبقينا على حالة التضرع واللجوء إليه، متذكرين في ذلك حبيبنا محمدًا- صلى الله عليه وسلم- في غزوة بدر، وهو أكرم علينا وأعز إلى الله تعالى، وهو يجأر إلى الله تعالى: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض"، وحتى نستشعر دائمًا أن هذه الثورة منذ بدايتها ثورة ربانية، صنعها الله على عينه، ويحوطها برعايته كلما اقترب منها مكروه أو سوء.

 

رابعًا- تمييز أصحاب المواقف الوطنية المتجردة عن أصحاب المواقف الشخصية الضيقة؛ فالموقف الآن أصبح كاشفًا، ولا مكانَ فيه للمنطقة الرمادية؛ فإما الاصطفاف مع مشروع الثورة، وإما الانحياز للثورة المضادة، وإعادة إنتاج النظام القديم، وقد بدأت مظاهر هذا التمييز تتجلى فور إعلان النتائج.

 

خامسًا- أراد الله عزَّ وجلَّ أن يكون نجاح أول رئيس بعد الثورة بمجموع الأصوات الوطنية كلها، وليس بمجموع فصيل بعينه؛ حتى يكون انتماؤه وانحيازه لكل المصريين الوطنيين الذي منحوه ثقتهم، وليس لحزب أو جماعة بعينها.

 

سادسًا- أثبتت هذه الانتخابات انحياز أغلبية الشعب للثورة ومشروعها الوطني؛ فرغم ما حدث إلا أننا يجب ألا ننسى أنه قد صوَّت للثورة - بمجموع مرشحيها- ما نسبته 70% من الشعب المصري الأصيل. وأن النسبة الأخرى بها عدد كبير من أذناب النظام السابق وأصحاب المصالح الشخصية، ومَن اقترفوا جرائم في حق الشعب ويخافون من العقاب.

 

سابعًا- ربما يكون لهذه النتيجة بهذه الصورة تأثيرها المباشر على الإعلان الدستوري المكمل؛ حيث كان من المتوقع أن يصدر خلال هذه الفترة حسب اتجاه رياح التصويت، أمَا وقد جاءت النتيجة متوازنة بين الطرفين؛ فربما يتأجل هذا الإعلان وتستثمر القوى الوطنية الفرصة بالإسراع بتشكيل الهيئة التأسيسية للدستور، وحتى لو صدر فسيكون فيه قدر من التوازن الذي يمليه الظرف الحالي.

 

ثامنًا- من المتوقع أن يصدر الحكم على مبارك وعصابته الأسبوع القادم، ولو فاز أحد المحسوبين على الثورة في الجولة الأولى؛ فإن هذا الحكم كان مثابة كرة اللهب التي ستلقى عليه في بداية عهده، لكن أظن أن الوضع مختلف الآن؛ حيث سيصدر الحكم قبل فترة كافيةٍ من تولي الرئيس الجديد، بما يمكنه من الاستعداد الجيد لهذه المسألة الحساسة، وأيضًا سيكون نقطة قوة في ترجيح المرشح الثوري، وكاشفًا لمدى ولاء مرشح النظام السابق لأسياده، من خلال تعامل كل منهما مع الحكم.

 

تاسعًا- ما حدث درس لكل القوى الوطنية وجرس إنذار بأن عليهم جهدًا كبيرًا في حماية ثورتهم التي ما زال الخطر يحيط بها؛ فلا تأمنوا كثيرًا، ولا تركنوا للراحة قبل الاطمئنان على ثورتكم؛ فما زال الطريق طويلا، وما زال وليدكم الغالي في حاجة إلى الرعاية والاهتمام حتى يشب على الطوق ويشتد عوده..

 

عاشرًا- ما حدث درس للقوى الوطنية كلها بأهمية التعاون وتقديم المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية الضيقة؛ فلولا أن تداركنا الله بفضله لحصد أحد أركان النظام السابق المركز الأول في أول انتخابات رئاسية بعد الثورة؛ حيث إن الفارق ضئيل جدًّا بين الأول والثاني، وقد كان يمكن حسم المعركة من الجولة الأولى لو تضافرت الجهود واتحدت الأصوات، لكن لعلها فرصة لأن يدرك الجميع أنه لا يمكن لفصيل منفرد أن يتحمل العبء وحده.

 

وأخيرًا.. أدعو إخواني وأحبابي إلى نسيان الماضي إلا بقدر ما يفيدنا في مستقبلنا، وأن يتعالى الجميع على خلافاتهم وآلامهم، وأن نجعل معركة الرئاسة بين طرفي موقعة الجمل فرصة للتوحد والاتفاق، كما وحدتنا قبل ذلك موقعة الجمل نفسها في ميدان التحرير.