الهجمة الشرسة للانقضاض على الثورة أرعبت قطاعًا كبيرًا من الفنانين والمثقفين والصحفيين، وجعلت بعضهم يقفون بين، فلا هم مع الثورة ولا هم ضدها!.. وإذا سألتهم أحدهم صوتك لمَن؟ قال: أنا ممتنع عن التصويت لأنني لست مقتنعًا بمرشح الحرية والعدالة، ولست مقتنعًا بمرشح الفلول!
هؤلاء عمليًّا يؤيدون مرشح الفلول والثورة المضادة، لكن بطريقة "شيك" يغلفونها ويبررونها برفض سيطرة ما أسموه الدولة العسكرية أو الدولة الدينية!
وهناك فريق آخر عزم على تأييد مرشح الفلول صراحةً فراح يتهم حزب الحرية والعدالة والإخوان المسلمين بالانغلاق وضيق الأفق، والتضييق على الفنانين والمثقفين، بل إن بعضهم ندب نفسه، يستوقف الشباب والشابات في الشارع ويقول لهم لا تنسوا مرشحنا.. احذروا الإخوان.. يا أولاد: هؤلاء سيمنعون البنات من الصحافة وكتابة الشعر، ولن ترى أقلامهن الحرية بعد اليوم!
وفنان ثالث بالغ سابقًا في مدح ما قدَّمه شباب الإخوان من عروضٍ مسرحية، بعضها أشاد به النقاد إشادةً حقيقيةً وقالوا إنه من أفضل العروض التي تناولت الثورة؛ بل وسعى لعقد ندواتٍ مُوسَّعة بالاشتراك مع الفنانين من شباب الإخوان، والتقط الصور التذكارية معهم وهو يثني على فكر الإخوان ورؤيتهم المنفتحة للثقافة والفن!
لكن حين لوَّح الفلول بأنهم يمكن أن يعودوا مرةً أخرى! راح هذا الفنان الكبير يتحدث بصوته الرخيم منتقدًا ضيق أفق الإخوان وراح يُسهب عن المصير الأسود الذي ينتظر الفن لو حكموا البلاد!
بالطبع هذا الفنان ومعه مَن أطلقوا على أنفسهم مسمى (النخبة) ينطلقلون من قناعة أن الهجوم على الإخوان عقوبته سهلة وميسورة إذا وصلوا إلى الحكم، ومن الممكن إرضاءهم بسهولة، أما إذا وقفوا معهم وأيدوهم ثم فاز مرشح الفلول- لا قدر الله- فإن الاعتذار لنظام تمرَّس على الاستبداد وأدمن الظلم صعب وعسير؛ وربما فقد هذا (الفنان، المثقف، الصحفي) ماضيه وحاضره ومستقبله!
هذه الثورة الطاهرة أسقطت أقنعةً كثيرةً، ولعل ما يحدث الآن هو آخر هزات التطهر لتنتقل البلاد إلى عهدٍ جديدٍ خالية من المزايدين المطبلين في الرايحة والجاية، فإذا علا سهم الثورة كانوا ثوارًا، وإذا علا سهم الفلول كانوا فلولاً، وإذا كانت الأحوال غائمة وقفوا في المنتصف!
***
النخبة الحقيقية: في انتخابات المرحلة الأولى سألت أحد الشباب الفلاحين حين خرجنا من باب لجنة لمن أعطيت صوتك؟ قال دون تردد: للدكتور مرسي.
سألته: لماذا لم تعطه للفريق شفيق مثلاً؟ قال: هذا الرجل لا يمكن أن ينصفنا.. وقال سأضرب لك مثلاً: لو أردت أن تزرع شجرة تفاح مكان شجرة شوك، هل يكفي أن تجز الشوك فقط؟ وأجاب هو دون أن ينتظر إجابتي: يجب أن تخلع هذه الشجرة وترى جذورها بعينك وتلقيها جانبًا وتغرس الشجرة الجديدة.
مثل هذا الفلاح الثلاثيني هو النخبة الحقيقية التي تعرف دون لغط كثير أن مصلحة العباد والبلاد هي في البعد عن الثرثرة، وفلسفة مواقف التردد والمداهنة تحسبًا ليوم ربما انقلبت فيه الموازين!
--------------
* مؤسس جمعية المسرح المستقل - Aliali404@gmail.com