لقد كنت أتحرق شوقـًا لطرح رؤيتي عن الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المصرية ولكنني آثرت الانتظار لحين إعلان النتائج الرسمية النهائية لهذه الجولة كي لا أكون كمن يبني فوق الرمال المتحركة!!
وها أنا أكتب فور إعلان النتائج الرسمية النهائية للجولة الأولى شاطرًا مقالي إلى شطرين، أولهما تحليل محايد لا يخلو من افتراضات- لا أزعم أنها حقائق وإن كانت أقرب للحقيقة- وصولاً إلى نتائج محددة، وثانيهما إرشاد منحاز يهدف إلى كيفية استغلال نتائج الشطر التحليلي بما يحقق نصرًا للمرشح الإسلامي الوطني الثوري محمد مرسي.
وحتى لا نذهب بعيدًا إلى بدايات الثورة الشعبية التي ولدت فعليًّا في 28 يناير بعد حمل طالت مدته وتضحياته وقدِّر زيفـًا وبهتانـًا أن تنسب إلى شباب تظاهرة 25 يناير، وحتى نتجنب الجدل العقيم حول حجم وطبيعة ومدى تأثير الدور الذي أسهمت به القوى الوطنية والسياسية والمجلس العسكري في إنجاح الثورة، ولكي ننأى بأنفسنا عن متاهات ودوامات الوصف التحليلي لتوابع الثورة من تظاهرات واعتصامات وإضرابات ومخيمات وأيها أخلص لله وأفاد الوطن وأيها أخلص للهوى وأضر الوطن، دعونا نقرأ سطور المشهد الانتخابي وما بين السطور عبر الجدول الافتراضي التالي الذي أزعم أنه قريب جدًّا إلى واقع المشهد على الأرض:-

ثم دعونا نحلل ما تضمنه الجدول السابق من أرقام وصولاً إلى دلالات محددة قدر المستطاع وذلك عبر البنود التالية:-
أولاً: أن قاعدة الناخبين منقسمة إلى أربع كتل رئيسية شبه متساوية (13 مليون تقريبًا) وهي:
1 - كتلة صلبة ثابتة: وهى تمثل مجموعة الناخبين المؤيدين لمنهج محدد ومرشح واحد.
2 - كتلة صلبة متحركة: وهي تمثل مجموعة الناخبين المؤيدين لمنهج محدد يمثله مرشحون متعددون.
3 - كتلة سائلة: وهي تمثل مجموعة الناخبين الذين يصوتون لأسباب عارضة كالتصويت للكاريزما أو التصويت العقابي والاعتراضي.
4 - كتلة العدم: وهي كتلة لم ولن تشارك في أي حراك سياسي لذا لم أضمنها في الجدول السابق.
ثانيًا: أن المناهج المدنية الرئيسية في المجتمع المصري ثلاثة وهي:
1 - المنهج الإسلامي: وهو منهج وسطي يحترم الملكية الخاصة والعامة ولا يجور على إحداهما لصالح الأخرى، وتقوم فلسفته على أن محاربة الفقر لا تكون بقهر الأثرياء وإنما عبر بوابة التكافل الاجتماعي وأبواب الزكاة والصدقات، وهو منهج يحترم ويقر جميع حقوق الإنسان التي لا تتعارض مع الشريعة، بمعنى أنه لا حقوق في حرام ولا قيود في حلال.
2 - المنهج الليبرالي: وهو منهج غربي النشأة خرج من رحم العلمانية التي تفصل بين الدين والدولة، بمعنى أنها تقصر الدين فقط على علاقة الإنسان بربه أما علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بالمجتمع فينظمها القانون ولا تخضع لحلال وحرام، وهو منهج يميل بشدة إلى النظام الرأسمالي، ويعلي من شأن الحريات الشخصية والعامة دون قيد من حلال أو حرام، وتتوارى فيه إلى حد بعيد حقوق الطبقات الفقيرة سواء وفق مبدأ التكافل الاجتماعي ( الإسلامي ) أو وفق مبدأ العدالة الاجتماعية ( اليسار )، وبالتالي فهو في تقديري منهج يثير الضغائن بين الطبقات.
3 - المنهج اليساري: وهو منهج شرقي يمكننا وصفه بأنه حفيد الشيوعية وابن الاشتراكية، وهو منهج يهتم إلى حد بعيد بتقليص الفوارق بين الطبقات عبر آليات قانونية تنحاز (والانحياز في كل حالاته هو صورة من صور الظلم) إلى الطبقات الفقيرة على حساب الطبقات الأغنى، وهو أيضـًا يعلي من شأن الحريات الخاصة والعامة دون قيد من حلال أو حرام، وفي تقديري أن هذا المنهج طارد للاستثمارات والكفاءات.
ثالثـًا: الأرقام ودلالاتها:
1 - بالنسبة للكتلة الصلبة الثابتة: هي دون شك تتضمن الناخبين الأكثر حرصًا على المشاركة في الحراك السياسي، ولا شك أيضـًا أن المنهج الإسلامي له منها النصيب الأكبر، وأقدر أن الممتنعين عن التصويت من هذه الكتلة لن يقلوا بأي حال عن 3 مليون ناخب إسلامي وليبرالي على وجه التحديد، وأعتقد أن هذه الكتلة الممتنعة ربما تتكون في أغلبها ممن حلموا بالمشروع الإسلامي فقط مع حازم أبو إسماعيل بالإضافة لمن حلموا بالمشروع الليبرالي فقط مع البرادعي!! وفي تقديري أن الناخبين من هذه الكتلة الضائعة ميئوس منهم ولا أتصور أن ينجح أي من قطبي الجولة الحاسمة في اجتذابهم إليه رغم كون أحدهما إسلامي والآخر ليبرالي.
2 - بالنسبة للكتلة الصلبة المتحركة: وهي تتضمن مجموعة الناخبين الحريصين على التصويت لمنهج معين دون مرشح محدد، وأرى أن المنهج الإسلامي له منها النصيب الوافر جدًّا يليه المنهج الليبرالي وأخيرًا اليساري الذي أعتبره أضعف المناهج والتوجهات بكل المقاييس، والملاحظ أن عدد الممتنعين فيه عن التصويت يمثلون قدرًا هائلاً من الناخبين وأظنهم إن لم يكونوا جميعًا من أنصار المنهج الإسلامي فأغلبهم الأعم على أقل تقدير، وبالنظر إلى نصيب كل مرشح من هذه الكتلة يتضح أن المرشحين الإسلاميين- وفي مقدمتهم الدكتور مرسي- هم الخاسر الأكبر إن لم يكن الوحيد، إذ في تقديري أن شفيق وصباحي وأبو الفتوح وموسى لم يخسروا شيئـًا من مؤيدي مناهجهم الليبرالية واليسارية!!
3 - بالنسبة للكتلة السائلة: وهي فئة في أغلبها من الشباب، وأراها تنحصر في مجموعة الناخبين الذين يميلون على استحياء إلى منهج دون آخر ولكنهم في أغلب الأحوال متلونون، إذ هم غالبًا عرضة للتأثر بالعوامل الخارجية كالشائعات والإعلام وكاريزما المرشح والشو الإعلامي لأدائه وخطابه، وبالتالي فإن النسبة الأكبر من هذه الفئة قد تلجأ إلى التصويت العقابي أو الاعتراضي والاحتجاجي على ما يتصورون أنه تقصير من أصحاب المنهج الذى يميلون إليه على استحياء، أما النسبة المتممة لهذه الكتلة- وهي نسبة لا يستهان بها- فإنها تحت وطأة حيرتها الشديدة تلجأ إلى الامتناع عن التصويت، وفي تقديري أيضـًا أن الخاسر الوحيد في هذه الكتلة هم أصحاب المنهج الإسلامي، وأن أصحاب المنهج الليبرالي واليساري لم يفتهم أي قدر من أنصار توجهيهما.
4- مما سبق وعلى عكس أغلب ما سمعت من التحليلات يمكنني بكل اطمئنان الزعم بأن الأصوات التي حصل عليها كل من شفيق وصباحي تفوق بكثير ما هو متوقع لهما، إذ في تقديري أن كلا المرشحين لم يخسر صوتـًا واحدًا من أنصاره بل إن كلاً منهما نال من الأصوات المشتتة والعقابية والاعتراضية والاحتجاجية والأصوات الباحثة عن الكاريزما والشو الإعلامي ما لم يكن باستطاعته على الإطلاق نيله لو أن مرشحي المنهج الإسلامي نجحوا في لملمة أصوات مؤيديهم من الكتل التصويتية الثلاث المشار إليها.
وخلاصة الأمر.. أن الفريق شفيق الحاصل في الجولة الأولى على 5.5 ملايين صوت تقريبًا هو أشبه بميكروباص يستقله 10 ركاب برغم أن سعته القصوى 14 راكبًا، بما يعني أنه لا يزال بإمكانه ضم أربعة ركاب جدد، وأن الدكتور مرسي الحاصل في الجولة الأولى على 5.8 ملايين صوت تقريبًا هو أشبه بحافلة كبيرة يستقلها 12 راكبًا فقط بينما سعتها الإجمالية 50 راكبًا، بما يعنى أنه لا يزال بإمكانه ضم 38 راكبًا جديدًا.
وخلاصة الخلاصة.. أن الفريق شفيق إذا ضبط في محطة الوصول محملاً بأكثر من 14 راكب (سعته القصوى) فثمة مخالفة ينبغي أن يحاسب عليها، وأن الدكتور مرسى إذا ضبط في محطة الوصول محملاً بأقل من 50 راكبًا ( سعته القصوى) فثمة تقصير ينبغي أيضـًا أن يحاسب عليه.. اللهم إني أسألك أن تنصرنا على أهواء نفوسنا ووساوس شياطين الإنس والجن، اللهم املأ قلوب المسلمين بحبك وحب نبيك وحب شريعتك واملأ قلوب إخوة الوطن من المسيحيين بالطمأنينة لعدالة شريعتك، اللهم باعد بيننا وبين اشتهاء معصيتك كما باعدت بين السماء والأرض وبين المشرق والمغرب، ووحد بيننا وبين طاعتك كما وحدت الروح والجسد، فأنت الصادق إذا قلت حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره، وأنت الصادق إذا وعدتنا بقولك ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب، اللهم بارك لنا وبارك فينا وبارك علينا.. وعاشت مصر لنا وبنا وعشنا بمصر ولها.
------------------------