سئمنا الوضع السياسي الراهن الذي باتت الرؤية فيه أكثر ضبابيةً أكثر مما كانت عليه في الفترات السابقة؛ نظرًا لحساسية الموقف، وبالتحديد ما حدث في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي كسرت حواجز سقف التوقعات؛ فمعنى أن يحصد التيار الثوري أكثر من 60% من حجم الكتلة التصويتية للناخبين، وتيار النظام السابق بقية الأصوات، أن الثورة ما زالت غائبة عن فئة لا يستهان بها من الشعب المصري، وأنها لم تكن قد وصلت إليهم حتى الآن!.

 

صحيح شُهد لهذه الانتخابات بالنزاهة، وتصدَّرت مانشيتات الصحف المحلية والعالمية ما يشير إلى ذلك، إلا أن تصدر أحمد شفيق بهذه الدرجة يثير علامة تعجب ويحتاج إلى مناقشة موضوعية في هذا التوقيت.

 

وهنا يثار تساؤل ملحٌّ: هل انتخابات الجولة الأولى ديمقراطية بالمعنى الحقيقي للكلمة ولم تشُبها أية شائبة؟

 

هنا لا بد علينا أن نحدد خيوط المرحلة وتكهنات كيفية الوصول إلى هذه النسبة التي حصل عليها شفيق، وذلك الترتيب غير المتوقع له، وأحد أهم هذه الخيوط هو أنه لا بد علينا من معرفة الديمقراطية الحقيقية بمعناها المعروف دوليًّا، فديمقراطية الانتخابات تعني أن هنالك منظومة متعددة الأطراف تعمل لتحقيق هذا المفهوم، بدءًا من الجهات الأمنية المنوط بها حماية الانتخابات من أي عمليات تعوِّق الناخبين من أداء دورهم، مرورًا بالجهات الرقابية والمشرفة على الانتخابات لتحقيق شفافيتها ونزاهتها المطلوبة؛ بما في ذلك الإشراف القضائي ورقابة مؤسسات المجتمع المدني والإعلام وصولاً للمواطن الذي يحدِّد في النهاية ملامح هذه الانتخابات بشكل أو بآخر، والذي يدلي بصوته بناءً على عدة اعتبارات حددها بنفسه واختار قياسًا على هذه المحددات، وليست هناك ثمة مؤثرات خارجية بني عليها هذا الاختيار.

 

وهنا لا بد أن نتوقف عند احتمالات تحقيق هذه المنظومة أهدافها وعملها على أكمل وجه والتي استنادًا عليها ترسم خريطة ديمقراطية الانتخابات من عدمها؛ فقد يكون ظاهر هذه الانتخابات شفافًا وديمقراطيًّا، لكنَّ باطنه لا يوحي بذلك على الإطلاق، وقد يكون على الجانب الآخر نجحت الجهات الأمنية والرقابية والمشرفة في أداء مهمتها، لكننا نتوقف عند إدلاء الناخب بصوته، وهنا لا تتحقق الديمقراطية فعليًّا بمفهومها المعروف لعدة أسباب:

أولاً: لا ديمقراطية مع جهل؛ حيث إن نسبة كبيرة من الناخبين لا يعرفون أسس الاختيار الواقعية، وللأسف هذه النسبة تستحوذ عليها فئة كبار السن، وبالتحديد في قرى مصر وصعيدها وهي كتلة تصويتية في أغلب الأحيان، هي من تحسم الأمر في الانتخابات، إضافةً إلى أن هناك عددًا لا بأس به من الشباب يقع في هذه المشكلة، والجهل هنا لا يقتصر على من لا يعرفون القراءة والكتابة فحسب، لكن الجهل بعدم معرفة المرشح والاقتصار على مدى شهرته التي غالبًا ما تكون المقياس الرئيسي في حسم الاختيار، إضافةً إلى الجهل بالثورة ومعناها وأهدافها ودراسة تجارب الثورات، وما لها من إيجابيات وما عليها من سلبيات؛ الأمر الذي يعيدنا إلى الوراء كثيرًا ويا ليتنا ما فقدنا شبابنا الذين دفعوا دماءهم ثمنًا لرفض الواقع الذي انتفض عليه الجميع وقال له ارحل!.

 

ثانيًا: لا ديمقراطية مع عدم توعية إعلامية كافية عن كل المرشحين والاقتصار فقط على مرشحين بعينهم؛ فمن العبث أن يعلم الغالبية العظمي من المصوِّتين 5 مرشحين فقط والجهل بالبقية حتى بأسمائهم، كما أن غياب دور وسائل الإعلام- التي قامت بدورها بشكل غير حيادي في التعامل مع كل المرشحين بصفة متساوية- أدى إلى ما نحن فيه الآن، فكان ضروريًّا أن يقوم الإعلام بالتركيز علي برامج المرشحين بحيادية كاملة وتخصيص وقت لذلك دون مفاضلة أحدهم على الأخر.. لكن تركيزها على سلبيات المرشحين أو تصويرهم بشكل غير إيجابي واتباع مبدأ كسر المرشحين جعل الشارع يسأم حتى المشاركة.. لأنني أرى أن تصويت 50% نسبة غير كافية في بلد يمهد للديمقراطية.

 

ثالثًا: لا ديمقراطية مع طائفية؛ فمعنى أن كتلة دينية بعينها تدلي لمرشح واحد الكل يعلمه، أن الاختيار لم يكن من رأس الناخب، وإنما من رأس من دفعهم إلى التصويت استنادًا لمكانته الدينية، وهنا لا بد من وقفة جادة للتعامل مع معطيات هذا الموقف المرفوض، وأعتقد أن العقلاء من علماء ومشايخ المسلمين وكبار القساوسة المسيحيين يرفضون استغلال مكانتهم الدينية في الزجِّ بكل أطياف عقيدته للتصويت لمرشح بعينه، وعلينا أن نعلنها صراحةً بأننا نرفض التحدث باسم الدين في الانتخابات، وعلى هؤلاء العلماء والقساوسة أن يخرجوا لنا في كل وسائل الإعلام ويؤكدوا لنا ذلك، كما فعل الأزهر الشريف وضرورة الحض على المشاركة ومالها من دور كبير في بناء الوطن مهما كان الاختيار، وفي إحدى مداخلاته التليفزيونية أكد الدكتور عصام العريان على ذلك وأبدى انزعاجه من هذا الأمر وكذلك كتاب مسيحيون.

 

كما أنني أريد أن أبدي ملاحظة بسيطة في صيغة تساؤل: لماذا صوتت الطبقة الرأسمالية ونصف الرأسمالية لمرشح بعينه دفعته الظروف إلى خوض جولة الإعادة؟!!

 

رابعًا: لا ديمقراطية مع إتاحة التصويت لفئة من الشعب وحرمان فئة أخرى؛ حيث إن نسبة لا بأس منها انزعجت من طريقة التصويت التي اقتصرت على محل الميلاد أو طبقًا لما هو مكتوب في بطاقة الرقم القومي لمنعهم من التصويت والمشاركة في بناء مستقبلهم، فلا ذنب لمواطن يعمل بقطاع السياحة مثلاً سوى أنه يعمل في منطقة جغرافية بعيدة عما هو مدون في بطاقة الرقم القومي أو العاملين بالقاهرة ومحل تصويتهم الصعيد.. إذن لا بد من إعادة النظر في طريقة التصويت الإلكتروني كبديل مثلاً لحل هذه المعضلة الكبيرة، لإتاحة الفرصة لجميع المصريين في اختيار قائدهم أو من يمثلهم.

 

خامسًا: لا ديمقراطية مع ضغينة، وهذا ما حدث في انتخابات الجولة الأولى وسيحدث بشكل موسع في الجولة الثانية؛ فلمجرد أن فئة تحمل ضغينة للثورة ولكل من شاركوا فيها فليس عليك أن تدلي لمن يمثلونها وتلك الكارثة الكبرى، وما سيحدث في الجولة الثانية أن هناك أصواتًا ستتدافع بقوة لشفيق لمجرد أنها تحمل ضغينة من الإخوان والثورة ولا نعلم لمصلحة من؟!

 

تلك هي ملاحظاتي التي بنيت عليها غياب الديمقراطية عن بلادنا، ليست الديمقراطية الظاهرة لكن الديمقراطية المتكاملة الأطراف ظاهرًا وباطنًا، نودُّ مجتمعًا ينأى بكل اعتباراته ويتجه فقط للعمل لنهضة هذا البلد، نريد مجتمعًا يعلم بما له وما عليه، لا يحتاج الفرد فيه إلى أن يُؤثر فيه أحد لاختيار مرشح بعينه، نريد مجتمعًا منصفًا لا يتعامل مع كل مجريات الواقع على أنها سلبية، لكن عليه أن يقاتل من أجل تحقيق أهدافه، لا يكون سلبيًّا ولينظر للأمام.. إنها الحقيقة التي لا يمكن أن تغيب عن بلادنا هي أننا ما زلنا ننظر إلى المستقبل على أنه ماض متكررة مآسيه ولا جديد فيه.

 

وقفات:

- كان من المفترض أن يكون مقالي اليوم بعنوان: "هل لدى الإخوان إعلام؟" وهو سؤال جاءني من قبل الكاتب الصحفي الأستاذ شريف عارف في تعليقه على مقالي السابق الذي جاء بعنوان "الإعلام وفوضوية صناعة القرار" ولكني سأرجئ الرد في مقالي القادم نظرًا لما فرضته علينا الأحداث.

 

- جنرالات تل أبيب وقادتها هللوا وملأت الابتسامة وجوههم لمجرد خوض شفيق سباق الإعادة.. وكأنهم يعلمون يقينًا النتيجة النهائية مسبقًا في جولة الإعادة!!.

 

- أتعجب لدعاة مقاطعة الانتخابات في جولة الإعادة رغم علمهم يقينًا بمدى تأثير ذلك في مستقبل مصر وتعمدهم ذلك دونما أسباب مقنعة!.

 

- لماذا تتعمَّد بعض القوى السياسية تقسيم التيار الثوري في مصر إلى مدني وآخر إسلامي؛ مما أتاح الفرصة للبعض لتشبيه الاتفاق الوطني بينهم؛ ليس على أنه مواءمات سياسية وطنية بل صفقات سياسية؟!

لك الله يا مصر..