إخواننا وأحباءنا وأهلينا على أرض الكنانة العزيزة تدركون أن مصر، اليوم، تمر بأدق أيامها وأحرج لحظاتها وأصعب مراحلها، إنها مرحلة الانتخابات الرئاسية، وهي مرحلة فاصلة؛ لأنها إما أن تخرج منها مصر رائدة قائدة عزيزة، تقوى على التأثير في الشرق والغرب كما كانت، وإما أن تعود إلى ما كانت عليه في العهد السابق من الفساد الذي استشرى في كل ناحية، والخراب الذي وصل إلى كل مكان، والدمار الذي حل بكل مؤسسات الدولة، وباتت على أثر ذلك مصر في ذيل العالم وفي مؤخرة الأمم.
وأبناء مصر الشرفاء هم الذين يحبونها، ويعملون على النهوض بها، ويقومون على إعلاء رايتها وإعزاز كلمتها، هؤلاء لا تزلزلهم العواصف ولا تؤثر فيهم التيارات المغرضة التي يحملها إليهم الإعلام الموجه؛ لأن أبناء مصر الشرفاء على الحق ثابتون، وفي ثغورهم صامدون، وعلى النهوض بمصر حريصون ومصممون.
إخواننا وأهلينا وأحباءنا، وبعد أن اقترب موعد السباق ودنت ساعة الحسم، وتهيأ كل واحد لحسم أمره وعقد عزمه على اختيار المرشح الذي يروق له، نود التأكيد على أمر لا مجال للخلاف فيه، وهو أن مصر الكنانة ومصر الإسلامية ومصر القائدة والرائدة لن تنهض إلا بالإسلام، فالإسلام هو روحها، وماؤها وغذاؤها، وهو سر ريادتها وتقدمها، وسر عظمتها وتفوق أبنائها، ودورها من خلال الأزهر الشريف، ومن خلال كل العاملين للإسلام على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم في الحفاظ على الإسلام ولغته، لا ينكره قريب أو بعيد، ولهذا فإننا نعلنها عقيدة مدوية، وندعو كل أبناء مصر إلى إعلانها واعتناقها، وهي أنه لا مكان اليوم في قلب كل مصري أصيل لفلول النظام السابق، لا مكان لرايتهم ولا لمذاهبهم ولا لأفكارهم ولا لتوجهاتهم، لأنهم يريدون أن يعيدوا مصر إلى الوراء، وإلى سيرتها السابقة في عهد النظام البائد.
كما يتوجب التأكيد من ناحية أخرى أننا مع الرايات الإسلامية التي تخوض هذه الانتخابات، والتي جعلت من سباق الرئاسة سباقًا ساخنًا محمومًا وغير مسبوق في تاريخ مصر، وإن تعددت هذه الرايات وكثرت، فإننا لا نجرح أحدًا، ولا نعيب على أحد، ولا نقلل من قدر أو مكانة واحد منهم، ونظن أن لكل واحد منهم جهده المشكور واجتهاده المأجور، لكن الراية الإسلامية التي نراها جديرة بمصر، وجديرة بمكانتها وهيبتها وعظمتها، هي راية د. محمد مرسي، العالم الحاذق، والمهندس المخضرم، والسياسي البارع، والبرلماني المجرب، والمسلم القوي، والناصح الأمين، إن جهاده العلمي وجهاده السياسي والبرلماني يؤهله لهذا المنصب الخطير، وهو الذي لصدق توجهه ورسوخ مبادئه يستطيع أن يقود سفينة مصر في المرحلة القادمة، ونستطيع أن نقول له: لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناك بسيوفنا.
ولعل من أهم ما يميزه عن غيره في الساحة، رئاسته لحزب الحرية والعدالة الذي حقق نجاحات مبهرة في الانتخابات البرلمانية، وانتماءه إلى جماعة الإخوان المسلمين التي تحملت ما تحملت في العهد البائد من أجل مصر الغالية، ومن أجل هذا اليوم العظيم الذي تنعم فيه مصر بكامل حريتها وبكامل قوتها، وإن مؤسسات بهذه القوة، وأجنحة بهذه المتانة، كفيلة بأن تساند د. محمد مرسي في حمل راية الأمة وتحقيق نهضتها.
ويكفي في هذه العجالة أن أسرد بعض مقومات النهضة الإسلامية التي تتفوق فيها جماعة الإخوان المسلمين على غيرهم من كل القوى السياسية الأخرى، ومن هذه المرتكزات والمقومات:
- أن جماعة الإخوان المسلمين هي التي تحمل الدواء لمصر، وتأخير الدواء عن المريض جريمة لا يغفرها القانون ولا تتسامح فيها الإنسانية، ودواؤها في إسلامها، والإسلام بحق هو الشفاء الذي أنزله الله للعالم، والدواء الذي أنقذ الله به البشرية في الجاهلية من هيامها بالخمر، وولعها بالزنا، وتفاخرها بالأنساب والأحساب، وتقاتلها بلا سبب، وظلمها الشائع، وانتقامها الذائع، حتى قال قائلهم:بغاة ظالمين وما ظلمنا ولكنا سنبدأ ظالمــــــينا
لقد أنقذهم الإسلام من كل الموبقات، وعالج عندهم كل الشرور، وطهرهم من كل الأدران، وقدم لهم الدواء الناجع والهدي الساطع للبرء من كل الأمراض، وصدق الحق إذ يقول: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا 82) (الإسراء).
- إن جماعة الإخوان المسلمين هي التي تجيد فن الخدمة للناس، والعمل على إسعادهم وراحتهم؛ لأنها تؤمن بأن التقرب إلى رب العالمين بخدمة خلقه والإحسان إليهم من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأن أضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر، فما استُجْلبِت نعمُ الله واستُدفعت نقمه بمثل طاعته والإحسان إلى خلقه، خاصة وأن الناس في أحوال كثيرة ينتظرون من يقدم الخدمة لهم، حتى وإن كانت هذه الخدمة يدًا حانية تمسح دموعهم أو تخفف آلامهم، أو تستر عورتهم وتقضي حاجاته،. ومن يتقن هذا الفن العظيم مع الناس، ويدرك أن في شكوى الفقير ابتلاءٌ للغني، وفي انكسار الضعيف امتحان للقوي، وفي توجُّع المريض اختبار للصحيح، ويعمل في خدمة هؤلاء جميعًا، يستحق أن يتصدر المشهد، ويملك بذلك واحدة من أهم ركائز النهوض، وسلاحًا من أسلحة التفوق، وهذا ما أكده رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث يقول: "أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعَهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٍ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دِينًا، أَوْ تُطْرَدُ عَنْهُ جُوعًا..".
- إن جماعة الإخوان المسلمين مطلوبة للولاية العامة في هذه المرحلة لا طالبة لها، وقد رأينا طلب جمهورها وشعبيتها لها في الانتخابات السابقة، والناهض بالأمة في زماننا هذا، لا ينبغي أن يكون من بين هؤلاء الذين يجرون وراء الولايات أو المناصب، وينتهي جريهم وطلبهم لها إلى لا شيء، بل ينبغي أن يكونوا ممن تطلبهم هذه الوظائف والولايات، بناءً على أنهم مميزون في أخلاقهم، ومميزون في مؤهلاتهم، ومميزون في تخصصاتهم، ومميزون في درجاتهم وتقديراتهم، ومميزون في أدائهم لعملهم، ومميزون في تعاملهم مع جمهورهم، ومميزون في التزامهم بآداب وظائفهم، مميزون في كل شيء... والإنسان يستطيع أن يصل إلى هذه الدرجة من التميز بطاعته لله عزَّ وجلَّ في كل شيء أولاً، ثم بجهده وسهره وعرقه وكده ثانيًا، ورحم الله الإمام الشافعي حين قال:
بقدر الجد تكتسب المعالي ومن طلب العلا سهر الليالي
والإنسان حينما يكون على هذه الدرجة من التميز يكون مطلوبًا لا طالبًا، وتلكم هي القاعدة الذهبية التي أشار إليها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حينما قيل له: بم حزت هذا العلم والفضل؟ فقال لسائله: "ذللت طالبًا فعززت مطلوبًا".
- أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة بارعة في التخطيط والتنظيم، وقد أكدت العلوم الحديثة إن من أهم الأمور التي صارت بديهية وضرورية في حياة الناس اليوم، التخطيط السليم لسير حياتهم، وتحقيق أهدافهم، التخطيط الذي يعني وضع خطة لمواجهة احتمالات المستقبل وتحقيق الأهداف المنشودة، أو بمعنى آخر هو رسم خريطة الطريق الذي تريد أن تسلكه في هذه الحياة.
وحتى ينهض المصريون من كبوتهم ويعيدون سيرة أسلافهم الصالحين، ويعملون على إعادة أمجادهم وحضارتهم، لا بد أن يصبح التخطيط ضرورة في حياتهم؛ لأن التخطيط بعد الاستعانة بالله سبحانه يعد خير معين لهم في الوصول إلى أهدافهم، وكما يقولون من يفشل في التخطيط فقد خطط للفشل، وقد رأينا جماعة الإخوان المسلمين طيلة مسيرتها حتى وقت أن كانت محظورة، كيف كانت تخطط لعملها، وكيف كانت تجعل من العثرات خطوات نحو تحقيق أهدافها، وكيف كانت تسارع إلى النهوض بالتخطيط السليم بعد كل عقبة، وكيف كانت تفيد من كل خطوة في طريقها حتى وإن كانت خاطئة، فالناهض بنفسه وبغيره من حوله لا بد أن يستفيد من أخطائه ومن عثراته، وبمعنى آخر لا بد أن يربح من خسارته، فالطريق التي لا يؤدي إلى الهدف أعلم يقينًا بعد التجربة أنها طريق غير موصلة، وبمثل هذه التجارب الفاشلة أكتشف الطرق غير المجدية، والأساليب غير النافعة، حتى لا أعود إليها أبدًا، وأضعها في لائحة الأشياء التي لا تجدي، ويظل الإنسان على هذا الطريق حتى تأتيه اللحظة التي يكتشف فيها السبيل الآمن والطريق المستقيم.
وبناء على هذه المقومات ندرك أن المرحلة القادمة شديدة الخطورة وتحتاج إلى المخلصين الصادقين من هذه الأمة، ومن لديهم ركائز هذه النهضة التي ننشدها، وتجاه هذا الأمر أرى أننا بحاجة حقيقية إلى قلوب هينة لينة لا تتعصب لآرائها، ولا تتهجم على غيرها، وإن خالفتها في الرأي وعارضتها في المذهب، بل تبحث عن الحق بكل حيادية ونزاهة، ولا تميل إلا إليه، ولا تبذل أو تضحي إلا من أجله، هذه هي حاجتنا الحقيقية، الحاجة إلى قلوب صادقة لتتقارب وتلتف حول مرشحها الإسلامي القادر على قيادة السفينة، والمطلوب هو التقارب؛ لأن التقارب مفاعلة من كل أطراف الأمة، وحركة من كل جوانبها، وسعي من كل طوائفها، بغية الالتقاء على الهدف، والالتحام في الصف، والتداخل في العمل، والاتحاد في الميدان (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ 4) (الصف).
إننا في مصر أمام ساعات الحسم ودقائق الفصل، أرى صيحة الحق تزلزل أقدامنا، وتحرك ضمائرنا، وتهز أوتار قلوبنا، وترج الأرض من تحت أقدام المصريين جميعًا رجًّا، وتبث الجبال بثًّا، أن كونوا مع الصادقين، إنها صيحة الحق سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ 119) (التوبة).
------------------------
* الأستاذ المشارك بجامعة الأزهر وجامعة البحرين