ما أكثر شهادة الزور اليوم، بل لقد أصبحت سمة من سمات هذا العصر الذي نعيشه.. الكذب والزور والبهتان وقلب الحقائق وخداع المسلمين واللعب بالألفاظ، حتى إنه يطلق على المسلم الملتزم بدينه إرهابي، والمسلمة المتمسكة بحجابها رجعية ومتخلفة، والسير على منهج الله عته وجنون، بل لقد طال الزور آيات الله وأحكامه بأن يحرم البعض ما أحله الله، أو يحل ما حرمه حسب الأهواء الشخصية والرغبات المريضة، ويُلبسون الباطل ثوب الحق زورًا وبهتانًا، ويزينونه للناس فيتبعونهم على غير هدى حتى ضاعت الحقوق، ووسد الأمر إلى غير أهله بشهادة زور في صندوق انتخابات، وحكم المسلمون من ليس جديرا بحكمهم وإذا حدث ذلك فانتظروا الساعة.
معنى الزور:
الزور هو تحسين الشيء ووصفه بغير صفته الحقيقية حتى يخيل للسامع أنه الحق.. وبهذا التعريف يكون كل شيء مخالف للحقيقة زورًا، فالكذب زور وتوسيد الأمر لغير أهله، والتدليس عليه وإخفاء عيوبه زور، ومنافقة الحكام زور، وإخفاء الحقائق عن أولي الأمر زور، وكتم الحقيقة أو كتم الشهادة بالحق زور.
الترهيب من شهادة الزور:
إذا أردنا إحصاء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تتحدث عن الترهيب من شهادة الزور فلم نستطع لكثرتها مما يدل على أهمية ذلك الموضوع، واهتمام الشارع الحكيم به، وذلك لما يترتب عليه من مفاسد تعود على الفرد والمجتمع جميعًا، وإذا انتشرت هذه الظاهرة فلا يرجى إصلاح لذلك المجتمع لوقت بعيد عافانا الله منها ووقانا شرها.
ومن الآيات الحكيمة قوله تعالى في وصفه "عباد الرحمن" يقول جل شأنه: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا 72) (الفرقان)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا 135) (النساء).
والنداء هنا موجه لمن؟ موجه للمؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ) وحين ينادي الله عزَّ وجلَّ المؤمنين فليس هناك خيار لهم في التطبيق، إنما كان الخيار في البداية حين يحق لك أن تختار إما الإيمان والاستسلام الكامل لله أو طريق الكفر والعناد، وبما أنك الآن قد دخلت في عداد المؤمنين فما عاد لك إلا "سمعنا وأطعنا"، فما دمت مؤمنًا فيجب أن تنصت لترى ماذا يريد المولي عزَّ وجلَّ منك.
(كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ) وكلمة قوامين هي صيغة مبالغة من كلمة قائم أي لا تكونوا فقط قائمين على أوامر الله وإنما قوامين أي لا يفتر لكم فعل، واعملوا قدر طاقتكم على القيام بأمره سبحانه وتعالى، وأمره هنا الشهادة ولو على النفس أو الوالدين والأقربين.
ونزل حول هذا المعنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: من الآية 8)، ونزلت هذه الآية الكريمة حين سرق مسلم درعًا وأراد مسلم آخر أن يشهد "زورًا" مع أخيه المسلم ويلحقوا التهمة ظلمًا بيهودي كراهية وحقدًا عليه، فنزلت الآيات توجه المسلم بأن لا يدفعه الغل والحقد أن يشهد زورًا حتى ولو على كافر، ويأمره (اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وأقرب للتقوى هنا تحتمل معنيين، المعنى الأول أن يكون المؤمن نفسه أقرب للتقوى بأن يقول الصدق ويقيم العدل، حتى ولو على نفسه، والمعنى الآخر أن تجعل الطرف الآخر وهو الكافر أقرب لأن يفكر في ذلك الإيمان الذي يعدل حتى مع أعدائه، فيكون بذلك أقرب للتقوى.
ولنا في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام الأسوة الحسنة، فقد جاءه رجل غريب يسأله طعامًا أو مبيتًا، فسأله إبراهيم عن دينه، فوجده كافرًا، فلم يجب مسألته، وسار الرجل بعيدًا، فأنزل الله سبحانه على إبراهيم وحيًا: أنا قبلته كافرًا بي ومع ذلك ما قبضت نعمتي عنه، وسألك الرجل لقمة أو مبيتَ ليلةٍ فلم تجبه، وجرى سيدنا إبراهيم خلف الرجل واستوقفه، فسأل الرجل سيدنا إبراهيم؛ ما الذي حدث لتغير موقفك، فقال سيدنا إبراهيم: إن ربي عاتبني في ذلك، فقال الرجل: نعم الرب إله يعاتب أحبابه في أعدائه، وآمن الرجل، وذلك من بركة التقوى، والتقوى من بركة القسط مع الناس.
وقال سبحانه " والذين هم بشهاداتهم قائمون والذين هم علي صلاتهم يحافظون أولئك في جنات مكرمون " المعارج
وقال سبحانه: (وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ 283) (البقرة).
وقال أيضًا: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ 140) (البقرة).
وقال سبحانه وتعالى (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا 2) (الطلاق).
وقال تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ 30) (الحج).
وقال تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً 36) (الإسراء).
هذا في كتاب الله.. أما عن الهدي النبوي فهناك أيضًا الكثير من الأحاديث التي حذرت تحذيرًا شديدًا من هذا الأمر.
فعن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟" ثلاثًا قالوا بلى يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين"، وكان متكئًا فجلس وقال: "ألا وقول الزور، ألا وقول الزور" وظل يكررها حتى قلنا ليته سكت. أخرجه البخاري.
وعن خزيم بن فاتك الأسدي قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح، فلما انصرف قام قائمًا فقال: "عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله عزَّ وجلَّ ثم تلا هذه الآية (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ 30 حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ)" مسند الإمام أحمد.
وعن أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكبائر فقال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وشهادة الزور" أخرجه البخاري.
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ثم بدا له فوهبني فقالت: لا أرضى حتى تُشهد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذني بيدي وأنا غلام فأتي بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمه بنت رواحه سألتني الموهبة لهذا، فقال صلى الله عليه وسلم: "ألك ولد غيره" قال: نعم، قال فأراه قال: "لا تشهدني على زور" وفي رواية "لا أشهد على زور" البخاري.
وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، قال عمران: لا أدري أذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد قرنين أو ثلاثة قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن بعدكم قومًا يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن" البخاري.
وعن عبيدة عن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادتهم أيمانهم، وتسبق أيمانهم شهادتهم" البخاري.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قاتل: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله" قال ثم ماذا؟ قال: "عقوق الوالدين"، قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس" قلت: وما اليمين الغموس يا رسول الله؟ قال: "الذي يقطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب" البخاري.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور أو العمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" فتح الباري 11/556.
إذن فقد حرم الله عزَّ وجلَّ شهادة الزور؛ لكونها سببًا لإبطال الحق، وحرم كتمانها لكونه سببًا أيضًا لضياع الحقوق.
ما يترتب على شهادة الزور:
يترتب على شهادة الزور آثار خطيرة وأضرار عظيمة لا حصر لها على الفرد والمجتمع ومنها:
1- تضليل الحاكم عن الحق والتسبب في الحكم بالباطل، فالحاكم يحكم غالبًا بالبينة، والبينة هنا كاذبة مزورة، فيكون الحكم ظالم والوزر هنا يقع على الشاهد بالزور، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل أحدكم ألحن من الآخر فاقض له نحو ما اسمع" البخاري.
2- الظلم لمن شهد له لأنه ساق إليه ما ليس له بحق بسبب شهادته الزور، فوجبت له النار لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا بقوله فإنما اقتطع له قطعة من النار فلا يأخذها" البخاري.
3- الظلم لمن شهد عليه؛ حيث أخذ منه ماله أو حقه بالشهادة الكاذبة، فيتعرض الشاهد بذلك لدعوة المظلوم ودعوته مستجابة لا ترد، وليس بينها وبين الله حجاب، كما قال صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا ترد دعوتهم .... ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" أخرجه أبو داود والترمذي.
وقال صلى الله عليه وسلم: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة" فقال له رجل وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: "وإن كان قضيبًا من أراك" أخرجه مسلم.
4- تبرئة المجرم من عقوبة الجريمة التي فعلها بالشهادة الزور، وذلك يشجع الناس على ارتكاب الجرائم اعتمادًا على شهادة الزور.
5- يترتب على الشهادة الزور انتهاك المحرمات، وإزهاق النفوس المعصومة، وأكل الأموال بالباطل، والحاكم والمحكوم عليه بالباطل خصماء لشاهد الزور عند الله يوم القيامة.
6- يحصل بشهادة الزور تزكية المشهود له وهو ليس أهلاً لذلك، فقد يتولى بها منصبًا يتحكم من خلاله في رقاب المسلمين وهو غير أمين عليه، فيكون كل ما يفعله من ظلم بعد ذلك في رقبة شاهد الزور.
وتلك تحذيرات مهمة لكل من يستهين بشهادة الزور في التصويت الانتخابي، رسالة إلى أحبابنا وأهلنا أن يمسكوا على يد كل مَن يحاول أن يمد يده بتزوير إرادة أمة انتفضت لتنال حريتها، وتعيش في ثوب جيد من التقدم وبناء حضارة تليق بمكانتها التاريخية بين الأمم.