سألني صديقي التركي وهو متجهِّم ومقطب جبينه: من الذي تتوقع أن يفوز في انتخابات الرئاسة المصرية؟ قلت له: ولماذا أنت متجهّم هكذا ويبدو عليك القلق؟ قال: أنا فعلاً أشعر بالقلق، لأن كل التوقعات التي تبثّها أغلبية وسائل إعلامكم المصري تشير إلى احتمال فوز أحد مرشحي الفلول.
أجبته مازحًا: فلولنا وإحنا أحرار فيهم، مالك انت ومالهم؟ قال: أنا كما تعرف رجل أعمال ولي استثمارات كثيرة في مصر، وقد تعبت من كثرة دفع الرشى والإكراميات والهدايا للمسئولين والوسطاء طوال السنوات الماضية منذ بدأت أعمالي في مصر سنة 2007، وأغلبهم ممن تطلقون عليهم اسم “الفلول” وأتباعهم، وبصراحة أنا سأصفِّي جميع أعمالي وأرجع إلى تركيا إذا نجح "فل" في الانتخابات الحالية؛ لأنني غير مستعد للاستمرار في دفع إتاوات إلى ما لا نهاية.
ضحكت كثيرًا وقلت لصديقي: هوّن عليك يا أخي، و"فكها شوية" ولا تقلق؛ فلن ينجح لا هذا الفل ولا ذاك؛ فالشعب المصري قد طوى صفحة العهد البائد، وتحرر من نظام مبارك المخلوع ومن كل رموزه، ولن يقبل بأن يعود فلٌّ من فلوله على رأس السلطة أبدًا، وستبقى أنت في مصر وستزدهر أعمالك دون حاجة لدفع إتاوات أو إكراميات!.
سألني بلهفة: إذًا فمن هو في رأيك المرشح الأوفر حظًّا في الفوز؟ فقلت له: الأرجح والله أعلم أن يفوز مرشح جماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة الدكتور محمد مرسي، وقد يتمكّن من حسم المعركة من الجولة الأولى أو من الجولة الثانية على أبعد تقدير، والسبب هو أنّ كل عوامل النجاح تتجمّع حوله، بينما تتجمّع كل عوامل الفشل حول أغلب منافسيه.
عاد صديقي يسأل: وماذا عن "تفتيت الأصوات" الذي سيحدث نتيجة تنافس أكثر من مرشح إسلامي في وقت واحد؟ أريد مزيدًا من التفصيل كي أتفهّم وجهة نظرك.
قلت: لنتفق أولاً على أنّ قانون تفتيت الأصوات سوف تسري نتائجه السلبية على كل الإسلاميين المتنافسين فيما بينهم، وسوف تسري أيضًا على كل غير الإسلاميين المتنافسين فيما بينهم، وبهذا سيكون قانون التفتيت محايدًا في تأثيره، وبناءً عليه فإنّ المرشح الذي سيتمكّن من صنع فرق في الحصول على أكبر عدد من الأصوات هو الذي يمتلك كتلة تصويتية غير قابلة للاختراق، ومحمد مرسي لديه هذه الكتلة ونواتها الصلبة ممثّلة في جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة، ولدى هذه الكتلة الصلبة بحسب بعض التقديرات التقريبية حوالي مليون عضو ملتزم، ويستطيع كل منهم- باتصالاته الشخصية وعلاقاته بجيرانه ومعارفه وأقاربه- أن يجيّش عشرة أصوات في المتوسط؛ خمسة من أسرته وعائلته، وخمسة من معارفه وجيرانه؛ فيكون لدى مرسي حوالي عشرة ملايين صوت شبه مضمونة، وبجهد تطوعي لا يحتاج إلى تكلفة مالية أو دعائية كبيرة، وهذا الافتراض لا يحظى به أيّ مرشح آخر.
ثم هناك أيضًا أصوات المحيط المناصر لمرسي من الجماعات والأحزاب السلفية التي أعلنت تأييدها له، ومنها الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، والجبهة السلفية، وحزب الأصالة، وحزب الفضيلة، ورابطة علماء أهل السنة والجماعة، والجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة وغيرها من التكوينات الحزبية والدعوية والعلمية التي تضمن له حوالي خمسة ملايين صوت آخر، أضف إلى ذلك الأصوات التي سيعبئها أنصار الإخوان في التنظيمات النقابية والأندية الرياضية والجمعيات الأهلية واتحادات طلاب الجامعات، وأئمة المساجد المتعاطفين مع المشروع الإسلامي العام، وكل هذه التكوينات المنظمة يمكنها أن توفِّر خمسة ملايين صوت أخرى، فيكون لدى محمد مرسي عشرين مليون صوت شبه مضمون في الجولة الأولى.
زالت معظم ملامح التجهُّم وانفرجت أسارير صديقي التركي، ولكنه استدرك وسألني: هل يشاركك أحد من المحللين السياسيين هذا الرأي أو هذا التوقع؟!
قلت له: نعم، ولكنهم قليلون حتى الآن، وهم في ازدياد يومًا بعد يوم؛ لأن الصورة بدأت تتضح أكثر وأكثر في ضوء المقارنات بين الحملات الانتخابية للمرشحين، وكل منهم يتوقع فوز مرسي بطريقته، فمثلاً هناك صديقنا الدكتور عمار علي حسن، الذي يؤكد أنه لن يعطي صوته للدكتور مرسي، ولكنه يتوقع فوزه في ضوء معرفته بآليات الماكينة الانتخابية لجماعة الإخوان من جهة، ومعرفته بضعف القدرات التنظيمية والتعبوية لمنافسيه من ناحية أخرى.. عمار يعبّر عن ذلك بتعبير أدبي رشيق يقول فيه إنّ الإخوان "كائنات انتخابية".
وهناك أيضًا صديقنا الدكتور معتز عبد الفتاح؛ الذي يرى أن شعبية مرسي تتصاعد يومًا بعد يوم كلما اقترب موعد الإدلاء بالأصوات يومي 23 و24 مايو الجاري، وهو يرجع هذا التصاعد إلى جاذبية شعار الحملة الانتخابية لمرسي "النهضة إرادة شعب".
هزّ صديقي رأسه وقال: "كلام معقول"، ولكنه عاد ليستأنف أسئلته فقال: وماذا عن استطلاعات الرأي العام وتحليلات الخبراء والسياسيين التي تبثّها وسائل الإعلام ليل نهار وكلها تؤكّد ضعف فرصة مرسي في الفوز؛ كيف أقتنع برأيك ورأي اثنين أو ثلاثة من الخبراء الذين يوافقونك، وهناك عشرات من الخبراء والمحللين الآخرين الذين يرون عكس ما ترى، ويتوقعون فوز أحد الفلول؟!
قلت له مبتسمًا: يا أخي أخرج الفلول من رأسك، ودعنا نقرأ الواقع كما هو دون زيادة أو نقصان، وقد حدث شيء مماثل عندكم في تركيا عندما حشدت وسائل إعلام قوى الدولة العميقة الرأي العام ضد حزب العدالة والتنمية، فجاءت النتيجة عكس توقعاتهم وفاز الحزب في ثلاث دورات انتخابية متتالية، قال: هذا صحيح.
قلت: إذًا دعنا نتأمل في مصادر القوة وعوامل النجاح التي تتجمّع حول محمد مرسي، وأهمها ثلاث قوى معنوية بالغة الأهمية وتتمتع بمكانة عالية لدى السواد الأعظم من أبناء المجتمع، ولها تأثير قوي في نفوس عموم المصريين، وهي:
أولاً: هناك القوة الروحية التي يمثّلها الدعاة وأئمة المساجد وعلماء الأوقاف والأزهر الشريف، وأشهر علماء الجماعات السلفية، وفي مقدمتهم الشيخ محمد عبد المقصود، والشيخ محمد إسماعيل المقدم، وغيرهما، ومع هؤلاء بعض مشاهير الفنانين ونجوم كرة القدم من ذوي الالتزام الأخلاقي والديني؛ الذين أعلنوا تأييدهم لمرسي، ويظهرون معه في مؤتمراته الانتخابية، وما يثير الدهشة حقًّا هو الخطاب الديني السياسي، أو السياسي الديني الذي يتحدث به هؤلاء الرموز من نجوم الفن ونجوم كرة القدم، ولهذا الخطاب تأثير قوي في وجدان الجمهور العام.
ثانيًا: هناك القوة المعنوية والعاطفية لشعار "النهضة إرادة شعب"، هذا الشعار لا يحتاج إلى جهد كبير كي يقتنع به الجمهور العام أو أفراد السواد الأعظم، بل هو استجابة لأشواق عموم المصريين، وخصوصًا عندما يتم طرحه على أنّه ترجمة تفصيلية لشعار "الإسلام هو الحل"؛ الذي ثبت أنّ له تأثيرًا آسرًا لعواطف وقلوب قطاعات واسعة من المصريين في كل الانتخابات البرلمانية السابقة قبل ثورة يناير وبعدها، أمّا شعارات بقية المتنافسين فبعضها يعبّر عن جزء من مشروع النهضة، وبعضها يتّسم بالغموض والتعقيد، وبعضها ممجوج ولا معنى له.
ثالثًا: هناك "التطوع" والمبادرة الذاتية للشباب أصحاب القدرات التنظيمية والمهارية الذين يندرجون في التيار العام لحملة محمد مرسي الانتخابية، بينما يبذل أغلب منافسيه الكثير من الجهد والمال لجذب العناصر اللازمة للقيام بعلميات التعبئة والحشد، ناهيك عن الدخول في حوارات ومناظرات لاستمالة المترددين للتصويت لصالح مرشحهم. ولا يتطوّع أنصار مرسي بالمال فقط، وإنّما بالجهد والوقت والخبرة أيضًا، مع الاستبسال في أداء الواجب واعتباره "رسالة"، وليس وظيفة أو مهنة يؤجر عليها وتنتهي بانتهاء وقتها.
قلت لصديقي أيضًا: أريدك أن تلاحظ معي أنّ في مصر اليوم معركتين حول رئاسة الجمهورية لا معركة واحدة: معركة فضائية- افتراضية تجري وقائعها على شاشات التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي ومختلف وسائل الإعلام (الإنفوميديا)، إضافةً إلى مراكز البحوث واستطلاعات الرأي العام.
ومعركة ميدانية تجري على أرض الواقع وفي أحشاء المجتمع المصري في القرى والنجوع والمراكز والمدن يخوضها مرشح الإخوان المسلمين ومعه جحافل من أعضاء تنظيمه المحكم.
لم أستطرد كثيرًا في شرح زيف استطلاعات الرأي العام التي تجريها مراكز وجهات داخل مصر وخارجها، فقط قلت لصديقي التركي: لا تحسب هذه الاستطلاعات مثل الاستطلاعات التي تجري في تركيا في المناسبات الانتخابية وتأتي نتائجها قريبة من النتائج الفعلية للتصويت، فالاستطلاعات عندنا في مصر لا تتوافر لها الحدود الدنيا من الموضوعية والحياد، فلا هي تستند إلى عينات ممثلة للجمهور العام، ولا هي تتم على يد خبراء متخصصين في بحوث وقياسات الرأي العام، ولا هي مستندة إلى ثقافة سياسية سائدة في المجتمع تقدّر معنى استطلاعات الرأي وتحرص على المشاركة فيها بصدق وأمانة، وهذه الاستطلاعات هي في جملتها جزء من الحملات الدعائية الموجهة ضد هذا المرشح أو ذاك، ومن ثم فلا يعول عليها كثيرًا في التعرف على حقيقة ما يجري على الأرض.
أمّا المعركة الفضائية- الافتراضية- فيخوضها نجوم التلفزيون ومحترفو الكلام وأساتذة فبركة البحوث واللعب بالأرقام وعينات استطلاعات الرأي، وهؤلاء يتوهمون أنّهم بانتهاء المكالمة التلفزيونية قد أعادوا رسم الخريطة التصويتية بعيدًا عمّا كانت عليه في انتخابات مجلس الشعب، أو أنهم تمكّنوا من تغيير وجهة السواد الأعظم من الناخبين إلى حيث يريدون بعيدًا عن المرشحين الإسلاميين، بينما كل المؤشرات الميدانية من واقع المؤتمرات الانتخابية تقول عكس ذلك.
ودَّعني صديقي التركي مبتسمًا وهو يقول: "إن شاء الله مرسي كسبان"، قلت: وإن شاء الله تبقى باستثماراتك عندنا في مصر وتنمو وتزيد، قال: إن شاء الله.