تنوع الضغوط وتعددها هو ما سيواجه أي رئيس قادم، سواء أكانت الضغوط لطبيعة المنصب أو بسبب المرحلة الفارقة التي يحياها الوطن.

 

ونحن نرى بداية تساقط الحكومات الأوروبية بسبب ضغط الأزمة الاقتصادية؛ إذ سقط "باباندريو" اليوناني وتلاه "بيرلسكوني" الإيطالي، وهناك حكومات أخرى مرشحة للسقوط ومعها قيادات سياسية كبرى.

 

ونذكر كيف انحاز "عبد الناصر" للخيار الديكتاتوري ليواجه الضغوط الدولية التي تهدد زعامته، فخسر الزعامة، وأتى بالهزيمة، رغم شعبية "الجيش" الكبيرة وشعبيته هو شخصيًّا، ثم أفقدته الضغوط أخلاقيات "الثائر" التي وضعته في سدة الحكم، ونكّل بشعبه الذي وثق فيه.

 

وقد رأينا دور "عيزرا فايتسمان" (الرئيس الصهيوني السابق) مع "السادات" في مباحثات "كامب ديفيد"، والذي تلخَّص دوره في وضعه تحت ضغط (العمل الإنساني التاريخي) وإشعاره بأنه مقدم على فتح عظيم لصالح الأجيال العربية والصهيونية، وقد تأكد محمد إبراهيم كامل وزير الخارجية أن دور "فايتسمان" قد نجح حين سمع من "السادات" عبارة مؤداها أن "الإسرائيليين لديهم عواطف وأحاسيس مثلنا"؛ وذلك بسبب ما ذكره "فايتسمان" له عن ابنه الطيار الذي أصيب في الحرب برصاصة اخترقت رأسه وأصبح ينمو "كالنبات" أي نموًّا بلا عقل، رغم كونه من أبرع الطيارين الصهاينة!.

 

أما "مبارك" الذي بدأ مبشرًا برئيس مستقيم بلا عداوات فقد فقَد صوابه تمامًا أمام ضغوط الحاشية بالداخل وضغوط الأمريكان بالخارج، وتحولت مصر إلى غنيمة حرب للمقربين، وسجن كبير للمعارضين، وكلإٍ مباحٍ، أو كنز إستراتيجي للغاصبين.

 

والآن نرى أن بعض ضغوط الحملات الانتخابية قد أظهرت تباينًا شديدًا يعطي مؤشرات قد تساعد في رسم ملامح المرشحين.

 

وقد رأيت أن المرشحين الرئيسيين (بمن فيهم الفلول) قد انقسموا- تحت الضغوط- إلى ثلاث شرائح:

أولاً- شريحة الخاسرين:

وهي تضمُّ الفلولي "شفيق" و"د. أبو الفتوح".

 

و"شفيق" يواجه إجماعًا رافضًا لشخصه ولتمثيله النظام السابق، وبالتالي فهو بأمسِّ الحاجة إلى إظهار وجه ديمقراطي، إلا أن حملته قد نصحته فيما يبدو بإظهار صورة "الرجل القوي"؛ ليمحو آثار الشخصية "الحنونة العاجزة" التي ظهر بها أثناء رئاسته للحكومة، لكنَّ الرجل بدا كشخصية عسكرية متعجرفة، ناهيك عن سقطاته الكلامية التي لا حصر لها مثل: "للأسف الثورة نجحت"، فخسر الصورة بجوار الأصل.

 

أما د. عبد المنعم، فقد انفرد بميزة توافق من قوى سياسية عديدة على تأييده، وأعطى صورةً ناجحةً عن "رئيس كل المصريين"، وبخروج أ. حازم فقد توافرت له فرصة كبيرة للفوز بالمنصب، ومع ظهور حملة د. مرسي، فقد بدا د. أبو الفتوح مطمئنًّا، إلا أنه مع النجاحات المتصاعدة لحملة د. مرسي، ومع صعود نسبي في أسهم أ. حمدين صباحي، رأينا اهتزازًا ملحوظًا في أداء د. أبو الفتوح، وتحت الضغط الإعلامي والتنافسي أظهر وجهًا غير متسامح مع "الإخوان" كجماعة ومع بعض القيادات بأشخاصهم، ثم سخر من رئيس مجلس الشعب الإخواني، وأتبع ذلك بالتدليل الخاطئ على قضية صحيحة، وذلك في موضوع الحالة الصحية للمرشحين، والذي نؤيده في مضمونها، لكنه عرَّض بزميل الكفاح "حمدين صباحي" وكأنه "يعايره" لإصابته بالفيروس "سي"، وزادت الخسارة بأن ردَّ عليه "حمدين" بعلاجه منها، ثم بدأ التراشق بين أنصار الرجلين.وإذا كان تقييم المناظرة مع "عمرو موسي" قد بدا استقطابيًّا إلا أظهر "الدكتور" في صورة رجل لا يملك إلا اتهام خصمه والفخر بتاريخه، رغم أنه ليس كذلك، لكنَّ ضغط المحترف اللا أخلاقي "موسي" قد أضعفت أداء "أبو الفتوح"؛ مما يؤكد أن الضغوط تنال من "أبو الفتوح"، وأن أداءه يتميز في فترات الاستقرار فقط.

 

ثانيًا- شريحة التراجيديات اليونانية:

يلجأ السياسيون للهروب من التوصيفات السياسية إلى عوالم أخرى إذا كان الشخص أو الحدث يمثل خليطًا من المتناقضات الحادة.
و"أ. حازم" ومعه الفلولي "عمرو موسى" يمثلان هذه الشريحة.

 

فالأستاذ. حازم أعطى معركته مذاقًا أسطوريًّا فعلاً، فهو يدير جنوده الطائعين من المسجد (رمز القداسة)، أمام عدو يتربص به في الظلام ويواجهه بقرارات مزورة (رمز الدنس)، ثم ينسحب الرجل جزئيًّا، لكنَّ جنوده يواصلون معركة يائسةً يتحدون بها الجميع، والرجل يفقد السيطرة على جيشه الذي قرر ألا يقبل بالهزيمة رغم عدم توافر إمكانات النصر.. هذا المشهد السحري منح أ. حازم أنصارًا يعشقونه وينتظرون تعليماته، كما لم يحرمه من أعداء يكرهونه، ويمقتون ما يمكن أن يجرَّهم إليه من ويلات، إذن.. حب حتى الموت وكراهية مثل الموت.

 

ولكن الحصيلة النهائية أن الرجل إلى الآن لم يعطنا نموذج رجل الدولة الذي يواجه التحديات بثبات يمتزج بحسن التصرف، أو الاستفادة من معطيات تمثل له فرصة هائلة للوجود والتأثير؛ لأن مكمن المشكلة أن أ. حازم- كما صرَّح- كان قد تأهَّب لحسم المعركة لصالحه، وبالتالي فهو لا يدري إلى الآن ما هو البديل الأمثل بعد أن غادر أملاً أمسك نصفه بيديه؟

 

أما "عمرو موسى" فهو لا يستحق منا كلامًا كثيرًا، ولكن الوضع المأساوي فعلاً أن بعضًا من أبناء الشعب بدا وكأنه يستعطف جلاَّديه ألا يكفوا عن تعذيبه والتنكيل به، فنراهم يميلون للمرشح الفلولي طلبًا لأكذوبة الاستقرار المباركية، ونرى أن الرجل يكسب بالضغط الإعلامي رغم أنه لا يمتلك برنامجًا حقيقيًّا، وكلامه مرسل، ومبشر بأحلام الغد الوهمية، كما أنه حاز أصواتًا من المناظرة منحها له خصمه، ورغم المعلومات المؤكدة بانتشار رجاله لشراء الأصوات (رأيتها بنفسي)، إلا أن آثار تكسيح الكرامة المصرية ما زالت موجودة، وما زال أمثاله يقتاتون عليها، ولأجل هذا التناقض بين كونه ذَنَبًا "لمبارك" وكونه يحظى بتأييد بعض المصريين، كان وضعه في هذه الشريحة التراجيدية.

 

ثالثًا: شريحة الرابحين: ويمثلها "د. مرسي" و"د. العوا".

 

أما "د. العوا" فقد تعرض لضغوط عديدة، أولها كان اعتذار "حزب الوسط" عن تأييده رغم أنهم هم من أقنعوه بالترشح، ثم كان الضغط الأكبر باقتسام "د. مرسي" و"د. أبو الفتوح" تأييد القوى الإسلامية والسياسية، وإغفال اسم "د. العوا" تمامًا، مما يجرح كبرياء الرجل، ومع إضافة الضغط الإعلامي، وضعف مساعديه الذين قدموا حملة ضعيفة، وبرنامجًا انتخابيًّا لا يليق بمصر ولا بالدكتور نفسه.. رغم كل ذلك فإن الرجل احتفظ بتوازنه وترفعه الأخلاقي، وضمن شريحته المؤيدة له، رغم ابتعاده عن المنافسة فعليًّا.

 

أما أكبر المستفيدين من كل أشكال الضغوط فكان "د. مرسي".

فالضغط الأول أن الرجل قد تقدم للترشح أثناء حملة هائلة ضد "الإخوان" لموقفهم الصلب ضد عسكرة الدستور، شنها الإعلام بأوامر "العسكري" بالإضافة لحملات المعارضين أصلاً، ثم حملة "الإخوان السابقين" التي تؤيد د. أبو الفتوح.

 

والضغط الثاني كان باعتباره مرشحًا احتياطيًّا، أتى بديلاً بسبب قرار "لجنة الانتخابات" المسيَّسة والذي قضى باستبعاد "الشاطر" الذي ظهر بصورة قوية للغاية؛ مما يوحي أن البديل لا خوف منه ويمكن قهره بسهولة.

 

والضغط الثالث كان من عامل الوقت؛ حيث يواجه في خمسة أسابيع ما أنجزه منافسوه في عام كامل.

 

والحقيقة أن الرجل كان في حاجة لهذه الضغوط حتى تظهر إمكاناته، فرآه العامة كرئيس قريب منهم لكنه واثق في نفسه وفي برنامجه، ورآه الإعلاميون شخصيةً متينةَ الثقافة عميقة الإدراك ثابتة الانفعال، ورآه رجال الأعمال رجلاً يحفظ مشروعه بخططه وأرقامه ومكامن المشكلات والسبل لحلها العملي؛ لدرجة جرأته على الاستدراك على مساعديه العلماء، والحقيقة أنه كلما فتح له مجال تصور الجميع أنه أبرع مجالاته، والمحصّلة أن الضغوط الهائلة كانت سببًا في إبراز تكامل جوانب الشخصية، وهذا بالتالي يعمِّق الثقة فيه، ويشعر الجميع بالطمأنينة لوجوده في هذا المنصب.

 

يبدو أن "الإخوان" قد أخطأوا حين غضبوا من الحملة الشرسة عليهم؛ لأنه لولاها ما ظهرت شخصية د. مرسي ومعدنها النفيس.

 

----------

Mohamedkamal62@ymail.com