لا يمكن للشعب المصري أن ينسى تفاصيل ثورته، وخاصةً يوم 28 يناير الذي كان فاصلاً وكاشفًا لمن يريد استمرار النظام الفاسد، ومن أراد الوقوف بجانب الشعب المصري، وكغيري من عموم الشعب تابعت أول لقاء تلفزيوني لرئيس مجلس الوزارء الذي عيَّنه الرئيس السابق حسني مبارك لينقذ ما تبقى من خشب كرسي الرئاسة، وكان هذا اللقاء مميزًا لأننا للمرة الأولى نرى رئيس وزراء مصر يتخلي عن رسميته ويرتدي بلوفر أسود، وقد ظننت خطئًا أنه فضل اللون الأسود ليكون حدادًا على أرواح الشهداء الذين قتلهم النظام يوم 28 يناير، ولكن الرجل فاجئنا أنه ارتدي هذا اللون حزنًا على قيام هذه الثورة الذي سخر منها، وقلل من شأنها بل أنه امتد بسخريته إلى مطالبة الثوار بالتظاهر على أرصفة ميدان التحرير، وسوف يقوم بمكافآتهم بأن يقدم لهم البنبون.

 

وكأنَّ من خرجوا في هذه الحشود ضد الظلم والفساد والديكتاتورية والتوريث أطفال سوف يفرحون بقطع البنبون.. وكأن دماء الشهداء التي سالت وجراح المصابين التي لم تضمد بعد قيمتها أكياس بنبون الفريق شفيق.

 

هذه السخرية ظننتها خطئًا بأنها نتيجة طبيعية لعدم خبرة الرجل في العمل السياسي باعتباره وزيرًا للطيران، وهي وزارة خدمات، ولم يكن يخطر ببالي أنه يسخر من الملايين التي خرجت في الشوراع والميادين ضد نظام مبارك، حتى شاهدت مثل غيري أيضًا السيد رئيس الوزراء الجديد الذي جاء لكي ينقذ ما تبقي من النظام السابق في عدة لقاءات تليفزيونية متتالية لا يفصلها إلا دقائق هي قيمة الانتقال من استديوهات القنوات الفضائية في مدينة الإنتاج الإعلامي ظهر الرجل بنفس البلوفر الأسود الذي لم يكن لديه وقتًا لكي يغيره، كما لم يكن لديه وقتًا لكي يستمع لمطالب الثوار، وقد سأل الإعلامي عماد الدين أديب السيد شفيق سؤالاً عن حماية المتظاهرين في ميدان التحرير فرد الرجل بكل ثقة ودون تفكير قائلاً "المتواجدون في ميدان التحرير دول ولادي وحمياتهم في رقبتي"، واضعًا يده على رقبته كما يفعل رجال البلد الشجعان، وبعدها بساعات كانت معركة الجمل الشهيرة وما تبعها من محاولات ضارية من بلطجية النظام السابق لإنهاء وجود الثوار في الميدان.

 

وتمر الأيام وتنجح الثورة ويرحل مبارك وخلفه رئيس وزراءه وتمضي الأيام أكثر ليصل القطار إلى محطته الأخيرة في طريق التحول الديمقراطي، وهي انتخابات الرئاسة ويخوض شفيق السباق ثم يتم استبعاده ثم يعود بشكل مثير للغاية، ولأن الرجل كان "رباية" الظلم والديكتورية المشهورة باسم نظام مبارك فإنه لم ينسِ أبدًا هذه الفلسفة والتعامل بغرور وتُكبِّر مع أبناء الشعب الذين خلعوه بثورة عظيمة، ولمن تابع حوارات شفيق، وخاصةً حواره في برنامج الحقيقية مع الإعلامي وائل الإبراشي، يتأكد أن أبناء مبارك والمخلصين لفساده وإفساده يريدون إعادة انتاج هذا التاريخ من خلال أحمد شفيق، الذي هدد الثوار بالعقاب بل وهدد الميدان نفسه بالعقاب إذا تجرَّأ وأعلن أحد رفضه لنجاحه، وقال بلغة واثقة "اللي هايشعل ميدان التحرير هاطفيه هو وميدان التحرير"، ثم استكمل تهديداته في مقطع آخر قائلاً "ما حدث في العباسية رسالة لكل مَن يريد عمل ثورة أخرى"، ولعل هذه التصريحات لشفيق طبَّقها أنصاره على أرض الواقع خلال مؤتمر للموظفين في هيئة الطيران المدني بنقابة الصحفيين لكشف عمليات الفساد المتورط فيها شفيق خلال عمله وزيرًا للطيران في الفترة من 2002 وحتى 2010م، إلا أن بلطجية "آسفين يا ريس" كشروا عن أنيابهم ومارسوا كل أشكال البلطجية لمنع المؤتمر بالقوة وليوضحوا مع مرشحهم شكل نظام الحكم الذي سوف ينتهجه إذا فاز في الانتخابات.

 

بين السطور:

* أكد عدد من شرفاء وزارة الداخلية أن السيد اللواء محمود وجدي وزير الداخلية السابق، والذي أعاده شفيق للحياة مرةً أخرى عندما تولى رئاسة الوزراء يُشرف بنفسه، ومن خلال رجاله ورجال حبيب العادلي في جهاز الأمن الوطني "أمن الدولة سابقًا" على الحملة الانتخابية لشفيق، وواضح من المشاركة أن اللواء وجدي يقوم بتوريد البلطجية لسيادة الفريق.

 

* لم أستطعْ أن أحدد طبيعة البرنامج الذي يقدمه الزميل إبراهيم عيسى على قناة "أون تي في" حول الانتخابات الرئاسية، إلا أنني تأكدت أن الإعلامي الفكاهي توفيق عكاشة استطاع أن يُؤثِّر في الأستاذ إبراهيم عيسي بشكلٍ كبير؛ ما جعله يسعى لتقليده ويحول برنامجه إلى فقرة ترفيهية دمها ثقيل.

-------

* asobea@hotmail.com