لا أحد يمكنه التكهن بمدى قدرة الجهاز الإعلامي في السيطرة على قرار الرأي العام وصناعته في الوقت ذاته، لكن الغريب في الأمر أن الإعلام المصري يحاول استغلال الغالبية العظمي من الشعب لتوجيهه لاتخاذ قرارٍ بعينه على غرار الإعلام الغربي، رغم أن الثقافات بين الشعوب مختلفة بالمقارنة معهم فكل الأنظمة الحاكمة كانت تلعب على وتر إلهاء الناس في همومهم الخاصة دونما النظر لأهمية قرارهم، ومن ثَمَّ الشعب مر بحالة من الأمية نتحسر عليها الآن، ويتعمد الجهاز الإعلامي الضغط على هذا الوتر بكل أدواته وأساليبه.. وبات في عصر السماوت المفتوحة كل شيء مباح.. التهكم والسخرية من الآخرين مباح، الانتقاد اللاذع بسبب أو دون مباح، محاولة إقصاء الآخر أصبح طبيعيًّا أن يتحول مقدمو البرامج إلى أبطال ومحللين ومتخصصين في كل المجالات وأمرًا لا غضاضةَ فيه!!.
رغم أن أدبيات الإعلام تنصُّ على أن المهمة الأساسية للإعلام هي نقل الواقع دونما أية إضافات أو افتراءات كما يحدث الآن!!، وأن مَن يصنع الحدث المواطن وليس الإعلام نفسه!!، وأن الإعلاميين لا دورَ لهم ولا رأي سوى النقل بحيادية دون الانحياز لطرفٍ على آخر والوقوف على مسافةٍ واحدةٍ من كل الاتجاهات والتيارات، في حين أن ما نراه هو كمية افتراءات شديدة، وبالتحديد على جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة، ولا تفسير لذلك سوى أن هناك مَن يلعب لإقصاء هذا الفصيل السياسي الذي وقف منفردًا أمام كوارث الحزب الوطني وأعضائه.
بيد أن الإعلام تحوَّل إلى يحركها البعض بأموالهم لعمل "غسيل مخ" للمواطنين والضغط عليه من آنٍ لآخر عبر متخصصين في الشأن السياسي تربطهم نفس الأيديولوجية الفكرية، وأصبح الإعلاميون أبواقًا لتطبيق أجندات يحركها مَن يُحركها في الخفاء، ومَن ثَمَّ يصبح الرأي العام فريسةٍ لكل هؤلاء، والحجة المتبعة دومًا هي أن الإعلام هو مَن يصنع قرار الأمم كما هو متبع في الغرب، وحجتهم كشفت أمرهم لأنهم هنا وقعوا في فخ الخطيئة الكبرى واللعب على "المكشوف" كما يقولون.
وأتساءل: هل من الممكن أن يخرج لنا أيٌّ من هؤلاء ليجيبنا عن أدوات الإعلام الغربي لصناعة القرار؟، تناسى هؤلاء أن أدوات الغرب هي "الرشوة وضخ الأموال المغسولة" و"التجسس" كلها عوامل لتحقيق أهدافه المشينة، ولنا هنا مثال بات جليًّا للجميع ولنذكره: مخالفات مجموعة الميديا التي يملكها رجل الأعمال روبرت ميردوخ "أسترالي الأصل"، والذي يملك أهم الصحف وشركات التليفزيون بإنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية، هذه المخالفات والتي ظهرت بعد فتح التحقيق في هذه القضية عبارة عن ممارسات صحافية راوحت بين تجسس وكذب ونقود ورشي.. إلخ، وأظهرت أيضًا مدى تبعية السلطة التنفيذية لوسائل الإعلام حتى أطلق على أحد الوزراء بوزير ميردوخ!!.
وبالتالي هل نود الوصول إلى تبعية متخذي القرار إلى وسائل الإعلام تحركهم كيفما تشاء؟
الأدهى من ذلك أنني حينما أقرأ مقالاً لأحد جهابزة الصحفيين العرب، وهو جهاد الخزن في صحيفة (الحياة) اللندنية بتاريخ 4/5/2012م يُعلِّق فيه على الممارسات الفاضحة لمجموعة ميردوخ الإعلامية وأجده في نهاية المقال يكتب نصًّا "أرجو للميديا العربية حريات ترفع حكومات وتسقطها.. مع أنني لا أتوقع أن أري يومًا لصحافتنا شيئًا من نفوذ ميردوخ.. ما أتوقع مزيدًا مما نحن فيه.. أي الحسرة ونحن نتابع حريات الآخرين "هكذا جاءت نهاية مقاله.. وهنا لا بد من وقفةٍ تستدعي مراجعة ما قيل، فالأستاذ جهاد الخازن تمنى أن تكون لدينا ميديا قادرة على إسقاط حكومات ورفع أخرى، وهذا لا خلافَ عليه ما دامت الميديا تتبع كل الطرق الشرعية أباحها القانون لها وليس عبر كسر الحواجز واتباع كل ما يتنافى مع الشرعية القانونية، وأعتقد أننا بدأنا في المسلك الديمقراطي المنشود للإعلام وخير شاهد على ذلك فإن إعلامنا المصري بعد ثورة يناير بالتحديد أصبحت كل الخطوط الحمراء مباحة لدى الجميع دونما النظر لأي ميثاق للشرف الصحفي والإعلامي، حتى وصلت لدرجة أنهم كانوا يتنبئون للأحداث قبل وقوعها بساعات، وفي بعض الأحايين قبلها بيومٍ أو بأيام، وكأنه لدينا عصا سحرية للتنبؤ بكل الأحداث!!.
كما أن تدشين كيانات إعلامية ضخمة بعد الثورة أمرٌ يثير الدهشة فالبلاد قربت على أن تعيش في حالة تقشف ورجال الأعمال في طريقهم للإفلاس ونجد كيانات بمليارات الجنيهات ولا نعرف مصدر هذه الأموال ولم يتم التحقيق في الأمر، كما أن الإعلاميين المؤثرين في القرار الذين يظهرون على الشاشات على أنهم مواطنون بسطاء وصلت أجورهم إلى تجاوز أرقام الملايين، وبدت شركات الإعلانات التجارية مساندة فجأة لقنوات دون أخرى في لفتةٍ غريبةٍ لعلم التسويق!!، هنا نجد التوجه سيد الموقف لدى هذه الكيانات ومحاربة كل التيارات الدينية أو كما هم يطلقون عليه بـ"تيار الإسلام السياسي"، والقصد هنا من فشلوا أكثر من مرة في كسر شوكتهم التي استمدوها حقيقةً من الشارع وليس عبر توجهات مزيفة ألا وهم الإخوان المسلمون، أغرب ما في هذه المواقف أن هؤلاء لا يريدون أن يفهموا طبيعة الشعب المصري ولو حتى الاستماع إلى النصيحة، شعب أسقط نظامًا ولديه القدرة على إسقاط آخر لو كرر نفس التجربة التي ثار عليها.
ولماذا لم يتساءل البعض عن سرِّ عزوف الكثيرين عن وسائل الإعلام وباتت هنالك حالة من الثقة المفقودة وجهاز الإعلام بنوعيه العام والخاص؟ أتمنى من كلِّ القائمين على هذا الكيان أن يعاملوا ضمائرهم قبل معاملة مَن يريدون إعلاء شأنهم وشأن مَن أفسد البلاد لفتراتٍ طويلة على حساب المواطن البسيط الذي يعجز عن توفير لقمة خبز له ولأبنائه، وعليهم أن يعلموا أيضًا أن هناك الكثير من الإعلاميين الشرفاء أرجو من أن تسنح لهم الفرصة لأخذ ولو جزء بسيط من حقهم الذي همش لفترات طويلة، ورسالتنا تكمن هنا أن التمثل بالغرب ليس محل رفض للعقلاء من الشعب طالما أن المنفعة العامة محققة، أما درأ مفاسده واجب علينا ولا بد أن تكون لنا وقفة فيها ونحارب كل مَن يريد أن يصدرها لبلادنا.
وقفات:
- حينما رفض دكتور محمد مرسي الدخول في مناظراتٍ لأنها تقوم على التجريح وبعدها عن الطريقة العلمية في عرض المرشحين لبرامجهم بما يعيد بالنفع على العامة، انتقدته وسائل الإعلام واتهمته بالضعف، وحينما علَّقت صحيفة "الفاينانشال تايمز" البريطانية على مناظرة عمرو موسي وعبد المنعم أبو الفتوح بأنها نسخة مستعارة من المناظرات الرئاسية الأمريكية وصدق كلام دكتور مرسي نصًّا.. صمت الجميع!!!!
- ترتيب المرشحين للرئاسة في جداول العديد من وسائل الإعلام يستدعي منا علامة تعجب على الأقل.. فلماذا نشاهد بكثافة مرشحي الفلول على الشاشات كلما قربت الانتخابات وإرجائهم في نهاية الجداول الموضوعة منذ أكثر من شهر على الأقل؟.. ويقولون العدالة.. أليس هذا جزءًا من صناعة القرار بشكلٍ آخر أكثر احترافيةً؟!
لكِ الله يا مصر.