لا تنفصل عملية الإصلاح الشامل وإنقاذ الهوية عن عمليات المصالحة والمواءمة وحل الاشتباكات السياسية والاجتماعية والثقافية المختلفة؛ وصولاً إلى حالةٍ من التوافق قدر الإمكان، على أرضية مشتركة من الأصالة والهوية والأفق المشترك الذي يمضي إليه الجميع؛ دون إقصاء أو تغول أو تغلب أو ضبابية أو عماية أو غواية أو جهالة أو عمالة (مكسوفة أو مكشوفة).

 

ومن هذا المنطلق فإننا نرثي لمن يؤثرون الصياح والنواح، ولطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية، وهم يحترقون حسدًا أو جهلاً من عند أنفسهم باستماتة قد انتهت صلاحيتها من دنيا البشر؛ ولم يعد له مكان إلا تلال القمامة وسلال المهملات.

 

فالشريعة عندهم قيد من حديد، وانسداد للأفق، وتعطيل للإبداع، ومصادرة للحريات، وفرز طائفي للبشر.

 

والشورى عندهم خيار عاطفي يتم على أساس ديني، ولا يعبر عن حقيقة المواطنة، وليست مؤشرًا صحيحًا لمفهوم الوطنية أو خيار النخبة المثقفة.

 

والديمقراطية عندهم غاليا ما تأتي بنتائج غير طبيعية وليس معنى رضاهم بالديمقراطية هو الرضي بكل ما تأتي به الديمقراطية، والأمة عندهم تعني العقيدة.

 

وهذا وهذه ضدان لا يلتقيان... والمرجعية عندهم للشعب؛ فإذا جاء خيار للشعب على غير مشتاهم فهو شعب سفيه وجاهل ومتهور ويجب الحجر عليه.

 

والانتخابات البرلمانية التي تمت بشفافية ونزاهة غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات البرلمانية المصرية.. وإنما هي في نظرهم طائفية بامتياز؛ ونتائجها مستعصية على الفهم؛ ويجب الاستعانة بالغرب أو استنفار العسكر للجهماء؛ وإيقاف خطورتها؛ حتى لا تجرنا إلى المستقبل المجهول، والمصير المرعب الذي ينتظر الجميع.

 

لست أدري.. إلى صنف من البشر ينتمي هؤلاء؛ ألهم أعين يبصرون بها! أو أذان يسمعون بها (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ 46) (الحج).

 

كنت أناظر أحدهم قريبًا على إحدى الفضائيات ولمدة ساعة كاملة وهو الأستاذ الجامعي المرموق فإذا به يقع أسير الوهم والظن.. والمخاوف مرضية.. فحزنت عليه ولم أحزن منه.. وأشفقت عليه من كل قلبي.. وأنا أردد بيني وبين نفسي تلك الآداب التي علمنيها ديني "لا إجهاز على جريح.. ولا اتباع لمدبر"، حيث وجدت طروحاته ومخاوفه ليست في حاجه إلى إجابات وردود بل هي في حالة إلى تطبيب ومعالجة.

 

من ذلك تهيج للمشاعر sensationalism وتحول الإعلام على أيديهم بفعل فاعل إلى وسيلة حرب جديدة.. يشنونها على المستقبل البريء بالكلمة الصوت والصورة... لاستلابه من واقعه الحقيقي إلى واقعهم الافتراضي الممروض.. في هذه المنازلة المكذوبة والمقلوبة التي يخوضها جيش المرتزقة بصناعه الأكاذيب.. ونخاسة المعلومات؛ دونما أدنى حياء أو ولاء أو خجل أو وجل.

 

(وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ 82) (الواقعة).. ألا شاهت الوجوه.. وخابت الظنون.. (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ 21) (يوسف).

 

------------------------

* مدير إذاعة القرآن الكريم