انتشرت وتوالدت وتكاثرت استطلاعات الرأي التي انقطعت أنفاسنا من محاولة ملاحقتها والإمساك بها، وبعيدا عن الاستطلاعات التي تجريها بعض المواقع الإلكترونية، والتي ليس لها قيمة علمية؛ حيث إنها في أفضل الأحوال تعبر عن رواد هذه المواقع فقط، كما أنها تقتصر على مستخدمي الشبكة العنكبوتية، فضلاً عن سهولة التأثير على نتائجها من بعض الفرق الإلكترونية، وكذلك ما تجريه بعض برامج الفضائيات من استطلاعات رأى عشوائية لبعض المواطنين، فإنه يجب التوقف عند استطلاعات الرأي التي تجريها بعض المراكز والمؤسسات التي تدعي الالتزام بالمعايير العلمية من خلال عينات ممثلة لفئات المجتمع من خلال باحثين متخصصين.

 

والحقيقة إن نتائج هذه الاستطلاعات لا تبعث على الثقة، نظرًا لتعارضها الشديد فيما بينها، فضلاً عن تعارضها مع اتجاهات الرأي العام الذي يلمسه الإنسان المصري بوضوح على أرض الواقع، ولعل مقارنة نتائج هذه الاستطلاعات بنظيراتها في الدول الأوروبية وأمريكا تلقي بظلال من الشك على نتائجها، ولعل استطلاعات الرأي في الانتخابات الفرنسية الأخيرة توضح بجلاء مدى مصداقية استطلاعات الرأي هناك؛ حيث جاءت نتائج الانتخابات مؤيدة لهذه الاستطلاعات، بالرغم من أن نسبة الفارق بين هولاند وساركوزي لم تتعد 2% فقط.

 

لا أريد التوقف عند المآخذ العلمية التي من الممكن أن تؤخذ على هذه الاستطلاعات، ومدى التزامها بالمعايير العلمية، ومدى تمثيل العينة التي يجرى عليها البحث لفئات المجتمع المصري، وكفاءة وأمانة وحيادية القائمين عليها، لكن المؤكد أن تجربة استطلاعات الرأي في مصر المتعلقة بالنواحي السياسية تعتبر جديدة على المجتمع المصري؛ حيث لم تكن الظروف، ولا الأجواء في مصر قبل ثورة 25 يناير تسمح بإجرائها بصورة حيادية ومعبرة عن الحقيقة، ولعل الكثير من الناس ما زال يتذكر الاستطلاع الذي أجراه مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء قبل شهور من الثورة، والذي أوضح أن غالبية الشعب المصري تشعر بالرضا!!.

 

إن خطورة هذه الاستطلاعات سواء التي تتخذ الشكل العلمي، أو التي تجريها المواقع الإلكترونية، وكذلك بعض الفضائيات، وأيضًا انطباعات بعض النخبة في الفضائيات عن المرشحين الأوفر حظًّا للفوز- والتي ثبت عدم صحتها في الانتخابات البرلمانية- أنها يمكن أن تؤثر بالسلب على خيارات بعض المواطنين الذين يجدون أنه من غير المجدي إعطاء صوتهم للمرشح المفضل لديهم؛ لأن فرصه في الفوز ضعيفة حسب استطلاعات الرأي، وأن صوته سيذهب سدى.

 

بل إننا وجدنا بعض الجماعات والأحزاب تتخذ موقف الدعم من هذا المرشح أو ذاك بناء على هذه الشعبية المزعومة- بصرف النظر عن مدى صحة أن يكون تأييد أحد المرشحين نابعًا من شعبيته حتى لو كانت حقيقية وليس لبرنامجه وفكره- لذلك يجب التنبه إلى خطورة هذه الاستطلاعات وأثرها السلبي، والذي لا يمكن التعامل ببراءة مع الكثير منها.

----------------------

مدرس التاريخ الحديث والمعاصر

 كلية التربية- جامعة دمنهور

dsafouthousin20020@gmail.com