(1) المدخل: وعي ممتد
حسن جدًّا أن يصدر الذين صاغوا مشروع النهضة عن يقين واضح، وفلسفة مستقرة تقرر أن وضعية مصر بما هي وطن ملهم، وجغرافية فريدة، تشكل في ظل الفكرة الإسلامية.
وهذا اليقين الواضح ناتج وعي ممتد بأمرين جامعين شديدي الاستعلاء في ضمير أصحاب المشروع الذين هم جسم الإخوان المسلمين الكبير المتماسك، وهما:
أولاً: النموذج الفكري المؤسس لجماعة الإخوان المسلمين بما هي جماعة إسلامية شاملة تستهدف استعادة التطبيق الإسلامي في نسخته النبوية.
ثانيًا: استحضار النماذج الممتدة لمشاريع النهضة في الفكر الإسلامي المعاصر الذي توارثته الجماعة وبلورته في ضمير أبنائها، وتجلى في أدبيات مفكريها ابتداء من الزبيدي وابن عبد الوهاب بصورة عامة مجملة تتفق في الروح من دون الاشتباك في التفصيلات، ثم التحامًا مع مشروع جمال الدين الأفغاني، وتطوير تلميذه محمد عبده له ثم تفعيل تلميذه الأخير وهو محمد رشيد رضا حتى كان الحصاد الختامي لمشاريع النهضة المتمثل في منجز حسن البنا.
وهذا الوعي الممتد ظاهر في تقديم فريق مشروع النهضة له عندما يقرر ما يلي:
أولاً: خروج المشروع من رحم جماعة جاهدت على مدى أكثر من ثمانين عامًا في سبيل حفظ هوية الأمة ( ص 2).
ثانيًا: خروج المشروع معتمدًا سياسة التربية، وهو الملمح الأكثر تميزًا في كل مشاريع النهضة السابقة، إذ تستحضر المجموع الشعبي فيه أو على حد تعبير الصديق الكريم الدكتور ياسر علي الذي يقول معبرًا عنه: استدعاء الجمهور.
ثالثًا: المشروع أنموذج عملي يستهدف تطبيق الشمول المستقر في النظام الفلسفي والفكري للجماعة.
أعمدة المشروع على المستوى القيمي والفكري :
وإذا كانت المعرفة المعاصرة في تجلياتها المختلفة لم تعد تعترف بالتطبيقات المفصولة عن إطار فكري سابق عليها وحاكم على حركتها، فإن واحدًا من أهم ما يصنعه مشروع النهضة الذي يصدره الإخوان المسلمون على هامش حملة دعم مرشح رئاسي لمصر (2010-2016) هو ارتكاز، شأن المنهجيات الكبرى في المعرفة على إطار حاكم، يمثل فلسفته الموجهة لتطبيقاته المتوقعة.
لقد تنبه مشروع النهضة إلى مجموعة من المحاور المهمة جدًّا تمثل منطلقًا حقيقيًّا معتمدًا على مجموعة تجارب تطبيقية في مناطق اجتماعية وسياسية واقتصادية لعدد وافر من أفراد جماعة الإخوان ومؤسساتها، ولا سيما في جيل التأسيس والنشأة الأولى على امتداد نحو من عشرين عامًا بما أنجزته من شركات وأعمال ومدارس وإعلام، وهو الأمر الذي يبعث على قدر وافر من الاطمئنان، يجعل مشروع النهضة أكثر من برنامج انتخابى بدرجات كبيرة جدًّا؛ لأن البرنامج وحده غير كافٍ مهما كان مثاليًّا ما لم يكن مدعومًا بما قدمت مما يبعث في نفوس المجتمع ثقة بقدرته، وهي الثقة التي تكتسب من:
أ- التاريخ العريق للجماعة.
ب- التجارب التاريخية لأفراد الجماعة، بما تضمه من طاقات تقنية أو (كوادر تكنوقراط).
ج- المؤسسات التاريخية الناجحة اقتصاديًّا وتربويًّا وإعلاميًّا إلخ.
والمحاور الفكرية والقيمية التي تمثل أعمدة في خلفية المشروع هي:
أولاً: الانتصار لسؤال الهوية الإسلامية، وهو ملمح مستقر في الأدبيات الفلسفية المحللة لشخصية مصر، وهو التحليل الذي تواتر في أكثر من مدرسة فلسفية وطنية على اعتبار ( النموذج العابد) واحدًا من أهم ملامح شخصية مصر وهويتها؛ يقول مشروع النهضة (ص2): يخرج إليكم هذا المشروع من رحم جماعة جاهدت على مدى ثمانين عامًا لحفظ هوية الأمة، وبناء قوتها، وترسيخ الاعتدال والوسطية في فكرها (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (سورة البقرة:143).
ثانيًا: الانطلاق من مبادئ الإسلام الحاكمة عقيدة وشريعة ومنظومة أخلاقية في بعدها المتسامح تعيينًا، وهو الأمر الذي يقرره نص وثيقة مشروع النهضة الذي يقول (ص2): إن طموح هذا المشروع هو تحقيق حياة كريمة تحت ظل عقيدته وقيمه الدينية الراقية المتسامحة، مستلهمة قوله تعالى (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)) (سورة الأنعام).
ثالثًا: تقدير التنوع البشرى الخلاق؛ بمعنى أن المشروع يدرك حقيقة لا تجملاً أن نهضة الأمة بما هو طموح مشروع النهضة لا يمكن أن ينهض به تيار واحد، ولو كان في حجم تيار الإخوان المسلمين، وهذه النقطة تعيينًا هي ترجمة فكرية وثقافية لقيمة اشتراك مجموع الأجناس والتيار في بناء مجتمع المدينة، وإقامة مؤسسات دولة النبي صلى الله عليه وسلم؛ بنسب تكاد تكون متساوية بشكل مذهل، وتأمل الهجرة بما هو عمل مؤسس يقود إلى استنتاج ما يلي:
أ- اشتراك الرجل والمرأة في إنجاح مؤسسة الهجرة.
ب-اشتراك الأغنياء والفقراء في إنجاح مؤسسة الهجرة.
ج- اشتراك الكبار والصغار في إنجاح مؤسسة الهجرة.
د- اشتراك الأحرار وغيرهم في إنجاح مؤسسة الهجرة.
هـ_ اشتراك المسلمين و غير المسلمين في إنجاح الهجرة.
وهو ما يدعمه مشروع النهضة حين يقرر (ص3) :" ندرك تماما أن نهضة الأمة لن تتم بانفراد فصيل أو جماعة مهما كان شأنه، وأن السبيل للنهضة هو تكاتفنا جميعًا وإصرارنا على إنجاز هذه النهضة".
رابعًا: استدعاء تجارب التاريخ، ويعي مشروع النهضة في تأسيسه لحركته على أنه ينطلق وفى خلفيته تجارب تاريخية عميقة وعريقة سبق للأمة فيها أن أنجزت نهضة رائدة، والوعي بهذا باعث للثقة في النفس وهو ملمح ثقافي مهم جدًّا من جانب، وشاحذ للهمة مقاوم للإحباط، مقدر للعقبات من جانب آخر، يقول مشروع النهضة (ص4): "إن تفصيلات مشروع النهضة قادرة على النهوض بأمتنا كما فعلت سابقًا عبر التاريخ".
خامسًا- الوعي بالسنن الكونية، ومن أهم محاور المستوى القيمي والفكري لمشروع النهضة هو وعيه بطبيعة السنن الكونية المحققة للنهضة ولتقدم فقد ظهر في خلفية المشروع في هذا المستوى مجموعة من المبادئ المهمة من مثل :
أ- التمسك بإرادة النهضة
ب- إدراك قيمة الوحدة و التجمع و التكاتف و التكامل
ج- إدراك قيمة التنوع في إطار الوحدة
د- مصالحة الطبيعة، و استثمار خيراتها
هـ- استثمار الخبرات المتراكمة
و- اعتماد قوانين الإزاحة والإحلال، بمعنى أنه لا نهضة بغير مطاردة الفساد، يقول نص الوثيقة (ص4): "المستوى القيمي و الفكري ينطلق من مبادئ الإسلام و قيم الإسلام، وهي بالتطبيق الصحيح قادرة على النهوض بأمتنا كما فعلت سابقًا عبر التاريخ.. معتمدًا على تجمع هائل من الخبرات و الدراسات المجتمعية والمتخصصة في وضع رؤية متكاملة تعمل بأرقى المستويات على الوصول إليها بهدف الارتقاء بشعبنا حضاريًّا، ومعالجة ما طرأ عليه من فساد متعمد خلال الحقب الزمنية السابقة مستلهمًا قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (سورة الرعد:11).
ومن هنا فإن من الخطر كل الخطر أن ينظر إلى هذا المشروع على أنه مجرد برنامج لمرشح رئاسي، والحق أن يُنظر إليه على أنه حلقة جديدة من حلقات عطاء المشروع الإسلام المعاصر الذي يطمح إلى استعادة النموذج النبوي في تأسيس نهضة الأمة والثقافة هي قاطرة أية نهضة، وهو الملمح الذي يحكم للمشروع أو عليه.
-------------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية.