يخلط البعض بين مفهوم كل من: الكارثة والمشكلة والأزمة، فالكارثة عبارة عن نكبة ضخمة مفاجئة، ويرى البعض أنها تمثل لحظة وقوع الأزمة، بينما المشكلة تعتبر إحدى مراحل الأزمة، أما الأزمة- وهي المصطلح الشائع في المجال السياسي تحديدًا- فهناك تعريفات كثيرة متقاربة لها، نأخذ منها تعريف الدكتور رجب عبد الحميد السيد بأنها: "موقف خارج السيطرة وتحول فجائي عن السلوك المعتاد، يؤدي إلى خلل وتهديد للمصالح، ويؤثر على النظام العام للمجتمع، ويتطلب مواجهة هذا الموقف اتخاذ قرار محدد وسريع، في ظل محدودية المعلومات والمفاجأة وضيق الوقت المقترن بالتهديد"، ومن خلال هذا التعريف يكْمن خطر أية أزمة في عنصر المفاجأة وسرعة تطور الأزمة وضيق الوقت ومحدودية المعلومات، وتنشأ الأزمات لأسباب مختلفة منها على سبيل المثال: سوء الفهم والإدراك للواقع المحيط، وسوء التقدير والتقويم، والإدارة العشوائية، والرغبة في الابتزاز، وتعارض الأهداف والمصالح.
ولخطورة الأزمة على أمن واستقرار المجتمعات أو الدول تُوكل إدارة الأزمة إلى القيادات- لما لهم من خصائص وقدرات ومهارات ذاتية وفنية وسلوكية بالإضافة إلى المهارات السياسية والإدارية- للعبور بالمجتمع أو الدولة إلى بر الأمان أو بأقل الخسائر الممكنة، وفي بعض الأحيان تستطيع القيادة- بحسن تصرفها في إدارتها للأزمة- تحويل نقاط الضعف إلى قوة وتحقيق مكاسب جمة من وراء هذه الأزمة (ومن هنا يأتي مفهوم إدارة الأزمة) وذلك بالضغط على عناصر الأزمة للتراجع عن تصعيد الأزمة، أو احتوائها ليخرج الجميع خروجًا يحفظ ماء الوجه.
من جهة أخرى تلجأ بعض الهيئات أو الحكومات وأحيانًا الدول إلى الإدارة بالأزمة، حيث تقوم بافتعال الأزمات وإيجادها من العدم، وذلك للتغطية أو التمويه على أزمات عندها، أو للابتزاز السياسي، ورغم أن أساليب الإدارة بالأزمة أساليب علمية، ولكنها بعيدة كل البعد عن أخلاقيات ومبادئ العلم المعروفة.
قد تكون الإدارة بالأزمة مفهومة في العلاقات الدولية بين الدول المتعادية بعضها بعضًا، وكثيرًا ما تلجأ الدول- الكبرى غالبًا- إلى تحقيق مصالحها بافتعال الأزمات وإدارة المجتمع الدولي بالأزمات، وذلك عندما تشعر مثل هذه الدول بأن هناك تفاوتًا كبيرًا في ميزان القوى لصالحها، ومن أشهر هذه الأزمات: الأزمة الصينية 1945-1947، وأزمة الرهائن الأمريكية 1979-1981، وأزمة قناة السويس 1956، وأزمة حرب الأيام الستة 1967، وأزمة أكتوبر 1973، ثم أشهر أزمة- التي تعد النموذج المثالي لإدارة الأزمة والإدارة بالأزمة- أزمة الصواريخ الكوبية 1962.
ولكن من غير المقبول ولا المعقول أن تلجأ الحكومات إلى الإدارة بالأزمة مع شعوبها، وفي اعتقادي فإن الحكومات المصرية المتعاقبة كانت تدير كثيرًا من أمورها بهذا الأسلوب، بل كانت حكومات الحزب الوطني المنحل تبعث بعض رجالها لحضور دورات عن العمليات القذرة، ومنهم من حصل على رسالة الماجستير في الإدارة بالعمليات القذرة، وأخطر الأزمات التي تستخدمها هذه الحكومات المستبدة أزمة الأمن، وتصدير الأزمات فيما يخص الاحتياجات الأساسية لهذه الشعوب.
يذكر لنا التاريخ أنه بعد نجاح ثورة 23 يوليو 1952 وتولي اللواء محمد نجيب رئاسة الدولة بعد خروج الملك فاروق، انقلب عليه مجلس قيادة الثورة بقيادة جمال عبد الناصر، وكان الشعب ما يزال في كامل حيويته، فقام بالخروج إلى الشوارع وأجبر مجلس قيادة الثورة على عودة محمد نجيب للحكم، وفي أواخر الستينيات عندما ارتفع سعر جوال الأرز من أربعة قروش إلى خمسة قروش خرج الشعب على حكومة الثورة، مما أجبر جمال عبد الناصر على إقالة الحكومة (كان من بين رجالها يوسف السباعي وذكريا محيى الدين وعبد الحكيم عامر) وتشكيل حكومة جديدة، بعدها اجتمع مجلس قيادة الثورة ليتدبروا أمرهم كيف يديرون هذا الشعب، فتوصلوا إلى أهمية إدارة هذا الشعب بالأزمة، ولذلك اقترح أحدهم أنه لا بد من تجويع هذا الشعب وإلهائه، وبهذه السياسة تمت التغطية على الأهداف الستة التي قامت من أجلها ثورة 23 يوليو 1952.
ولا ينكر أحد أن افتعال الأزمات- خاصة في الاحتياجات الإنسانية الأساسية للشعوب وبما تسمى سياسة التجويع- من أخطر السياسات التي تؤدي إلى إفساد الشعوب، وتفقدهم حيويتهم وقدرتهم على التأثير في صناعة القرار، فالأسد الذي هو أشرس الحيوانات في الغابة عندما طُبقت عليه هذه السياسة في السيرك رأيناه يفعل أفعال القرود على الرغم من امتلاكه كل عناصر قوته التي كان يمارس بها السيطرة في الغابة.
بعد نجاح الشعب المصري في ثورته المباركة- ثورة 25 يناير- جاء المجلس العسكري وعيَّن حكومة كمال الجنزوري لتسوس هذا الشعب العظيم بنفس سياسة الحكومات السابقة، حتى إنه يمكن القول بأن حكومة الجنزوري حكومة تصفير العدادات وتصدير الأزمات، فنخرج من أزمة إلى أزمة، ولا تستطيع هذه الحكومة أن تخبرنا لماذا حدثت هذه الأزمة، وكيف تم التعامل معها، وما هي الآليات التي اتبعتها الحكومة لإدارة هذه الأزمة. ولذا أصبح واضحًا لكل ذي عينين أن هذه الأزمات أزمات مفتعلة لإلهاء هذا الشعب عن استكمال أهداف ثورته المباركة، ففي أزمة الأرز وصل سعر الكيلو في مصر (الزراعية) إلى ستة جنيهات في صيف 2011، ولم تعلم الحكومة ما يعلمه الشعب بأنه قد تم تجميع معظم إنتاج الدولة من الأرز عن طريق جشع بعض التجار (فلول الحزب الوطني) وإلقائه في بحيرة المنزلة، وكذلك أزمة البنزين والسولار، فقد شاهدنا جميعًا (حكومة وشعبًا) ناقلات البنزين والسولار وهي تلقي بحمولتها في الصحراء، والحكومة لا وجود لها، ونفس السيناريو في أزمة أنابيب البوتاجاز، وكلها من السلع الإستراتيجية، أي لا يمكن القبول بأن يحدث فيها أزمة مفاجئة لوجود احتياطي إستراتيجي منها لدى الدولة والحكومة (أو هكذا يجب أن يكون)، هذا كله بخلاف تصدير الأزمات الخاصة بأمن وأمان المواطن (خطف الأولاد وأعمال البلطجة والسرقات).
وفي المقابل نري جميعًا الفرق في الأداء من المؤسسة التي تم انتخابها انتخابًا حرًّا مباشرًا من الشعب، وهي المؤسسة التشريعية والرقابية بغرفتيها الشعب والشورى، فنجد تحرك المجلسين نحو إزالة الآثار التي نتجت عن السياسات الخاطئة للحكومات المتعاقبة، فنجد التوجه نحو رفع المعاناة عن كاهل الأسرة المصرية، وذلك بعودة الثانوية العامة إلى عام واحد فقط بدلاً من عامين، وإصدار قانون بعدم إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية، وإنهاء أزمة الحوالات الصفراء الخاصة بالمصريين في العراق، واعتماد تثبيت جميع العمال المؤقتين، وإقرار الحد الأدنى والأقصى للأجور، وإلزام الحكومة بدفع تعويضات للمضارين من كارثة الحمى القلاعية، علاوة على رفع التعويض لأسر الشهداء من ثلاثين ألفًا إلى مائة ألف جنيه.
أعتقد أننا لن نستطيع أن نحرر إرادتنا والتخلص من أن ندار بالأزمات إلا بترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وأن نحسن الاختيار في تكوين كل مؤسسات الدولة، وخاصة مؤسسة الرئاسة وكذالك المحليات، نقول هذا ونحن على أعتاب اختيار رأس السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية) فنتمنى على الله أن يوفقنا في اختيار الأنسب للمرحلة، ومن يكون لديه مشروع واضح لنهضة هذا الوطن، فمصر في السابق كانت دولة غنية تدار بعقول فقيرة، ونأمل في المستقبل أن تدار هذه الدولة بأفضل وأقوى عقولها ورجالها. وفق الله الجميع لتوحيد الجهود لبناء مصر دولة الإيمان والعمل والحب والإخاء.
-----------------
* أستاذ مساعد- جامعة المنصورة- دبلوم الدراسات العليا في العلاقات الدولية السياسية