كانت النخلة تمتد شامخة في الحديقة، تسحر الناظرين، وتأخذ بالألباب، إنها نخلة باسقة لها طلع نضيد، و(تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) (إبراهيم: 25)، واستقرت فوقها بعوضة نحيلة عجفاء، وفجأةً وجهت البعوضة الحديث إلى النخلة:

 

"يا نخلة اثبتي مكانك، وتثبتي، فأنا- للأسف- مضطرة أن أغادرك إلى مكان آخر".

 

وطارت البعوضة والنخلة هي النخلة... في امتدادها، وزهوها وجذورها التي تضرب في عمق الأرض، وما اهتزت النخلة ولا مالت.
ومثل هذه البعوضة ما دفعها إلى هذا الهراء الذي نطقت به إلا الغرور الضاري، وتضخيم الذات، والحماقة العاتية، حتى اعتقدت أن تخليها عن النخلة سيهوي بها، وينهي وجودها.

 

*****

وفي الحياة كثير من البعوض البشري بملامحه التي ذكرناها للبعوضة الحشرية، وإذا نظرنا إلى دعوة الإخوان وجدنا تطبيقًا عمليًّا لما ذكرنا آنفًا:

 

* واحد من البشر اسمه (هـ.....) يدعي أنه أحد قادة الإخوان، وأنه استقال لأن قياداتهم وكبارهم خرجوا على مبادئ الشورى والحق؛ وما كان هذا الـ (هـ...) قائدًا له كيان.

 

* وفي بدايات الدعوة اضطر الإخوان- وكان على رأسهم الإمام الشهيد حسن البنا- إلى فصل "أحمد السكري" لكثرة مخالفاته لنهج الجماعة، ولكنه تقدم للإمام الشهيد مبديًا أسفه، وأنه سيكون نموذجًا للالتزام الدعوي، فعفا عنه الإمام الشهيد، ثم استبد به الكذب واشترك مع حزب الوفد في كتابة مقالات في جريدة صوت الأمة التي تمثل حزب الوفد، تحت عنوان: (هذه الجماعة تهوي)، ولم يهوٍ إلا أحمد السكري وعاشت الدعوة شامخة كأقوى ما تكون، وجاء شاعر الإخوان (أظنه الأستاذ إبراهيم عبد الفتاح) وكتب:   

 

               هذي الجماعة تهوي   =   إلى سناها القلوب                          

 

واتسع نور الجماعة، وغزا القلوب، وتحولت جمعيتهم إلى جماعة، وتحولت الجماعة إلى تيار عالمي، على امتداد كل القارات، فليس هناك دولة في القارات كلها تخلو من ملايين من الإخوان المسلمين، ناهيك عن تأثيرها على التيارات والجماعات الأخرى.
ليس هناك جماعة تعرضت للمحن: قتلاً واغتيالاً وشنقًا وسجنًا واعتقالاً كما تعرضت جماعة الإخوان، ومع ذلك ظل الإخوان متمسكين بدعوتهم، مؤمنين بالمبادئ التي عاهدوا الله عليها.

 

والنظام داخل الجماعة يقوم على الشورى الحقيقية التي تفوق أرقى مبادئ الديمقراطية في العالم، استقاء من توجيه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (آل عمران: 159)، وقد صور الله سبحانه وتعالى المؤمنين بقوله: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38)) (الشورى).

 

والنظام الإداري للجماعة يعتمد على قاعدة التدرج: فهناك الشُعب، صعودًا إلى المناطق، ثم الهيئة التأسيسية ثم مكتب الإرشاد ثم المرشد العام.

 

والمرشد العام يفتح بابه لكل الوفود، من كل الأجناس والأديان في سماحة وصبر وترحيب.

 

وفي صباح الأحد من كل أسبوع يجتمع أعضاء لجنة الإعلام وعلى رأسهم فضيلة المرشد الدكتور محمد بديع، والأستاذ محمد مهدي عاكف، لكتابة مقال فضيلة المرشد، بعد تداول الآراء، والاتفاق على ما يكتب في مقال المرشد العام أسبوعيًّا مستقىً من آراء لجنة الإعلام، كل أولئك بتواضع جم وإنسانية دفاقة.

 

واستطاع الإخوان بحمد الله أن ينالوا الأغلبية الساحقة في مجلسي الشعب والشورى، زيادة على النقابات، وذلك في أنزه وأنقى انتخابات عرفتها مصر في تاريخها الطويل.

 

يهتم الإخوان- بصفة خاصة-  بالمنهج التربوي الشامل وخصوصًا بالنسبة للنشء وللشباب، وتصحيح المفاهيم والمصطلحات السائدة في كثير من الأقلام كقولهم: الإسلام السياسي، والإسلام الاجتماعي، والإسلام الديني، وبلغ الأمر بإحداهن أن تقول: " والإسلام المصري أكثر سماحة من غيره،...". وكل هذا يمثل سقوطًا شنيعًا، فليس هناك إلا إسلام واحد، ويمكن أن نقول: هو الإسلام الإسلامي الذي يتسع للسياسة والاقتصاد والتربية، والجهاد، والعلم،...إلخ، وصدق الله سبحانه وتعالى إذ قال: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) (آل عمران: 19). وقال: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)) (آل عمران).

 

**********

 

نقول هذا للبعوض البشري الذي يعتقد أنه بتخليه عن النخلة ستهوي ساقطة إلى الأبد... نقول له كذبت وخسئت: فالنخلة تضرب بجذورها إلى عمق بعيد: (أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24)) (إبراهيم).

 

---------------

* gkomeha@gmail.com