من علامات الفطرة النقية السليمة أن يرى الإنسان الحسن حسنًا والقبيح قبيحًا؛ ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
وما من شك أن الذي يرى الحق باطلاً والباطل حقًّا والحسن قبيحًا والقبيح حسنًا يعدُّ فاسد الذوق.. خبيث النفس.. سيئ الخلق، ويعدُّ إنسانًا فاسدًا بكل معنى الكلمة، وإذا حاول هذا الفاسد أن يقنع غيره بفساد ذوقه وخبث نفسه يعدُّ مفسدًا؛ لأن إفساده تعدَّى نفسه إلى غيره، وإذا نظرنا إلى المشهد الإعلامي كاملاً في هذه الفترة وجدناه في مجمله مفسدًا للمجتمع بكل معنى الكلمة إلا ما رحم ربي من القلائل الذين يحرصون على صدق كلمتهم وقول الحق، وكشف الأباطيل.
فكم من أزمة مرت بالبلاد كان من الممكن أن توأد في مهدها إلا وجدنا الإعلام يشعل فتيلها ويوقد نارها ويغذيها بالشائعات حتى تكاد تعصف بالبلد!! وكم من حدث من الأحداث فرض نفسه على الساحة كان بإمكان الإعلام أن يعالجه بهدوء وحكمة، فوجدناه يصطاد في الماء العكر ويقلب الحقائق.
وأعجب ما في المشهد الإعلامي هذه الحرب الشعواء التي أعلنها الإعلام على جماعة الإخوان المسلمين.. إنها حرب يستخدم فيها الإعلام كل الوسائل القذرة لتشويه هذه الجماعة، فكل ما يصدر عنهم يراه الإعلام إفسادًا في الأرض، وكل خطوة تخطوها الجماعة نحو الإصلاح يراها الإعلام تكتيكًا للسيطرة والهيمنة.. يا سبحان الله!! صارت الجماعة بكل أفعالها رجسًا من عمل الشيطان من وجهة نظر الإعلام.. نجوم "التوك شو" تراهم قططًا وديعةً أمام الكارهين للإخوان يذكِّرونهم بما قد ينسونه في حواراتهم من مثالب الإخوان ويفسحون لهم الساعات الطويلة ليطفحوا بما شاءوا من كراهية وحقد، أما إذا استضافوا أحدًا من الإخوان فهو لا يستطيع أن يكمل جملةً أو يوضح فكرةً؛ فالمقاطعة في الكلام هي وسيلة مقدمي البرامج لتشتيت الأفكار وإزعاج المتكلم والمستمع على السواء.
إذا عقد الإخوان مؤتمرًا حضره 100 ألف من مؤيديهم وتظاهر أمامهم 10 أو 20 يعترضون على الإخوان أفسح الإعلام كل برامجه لهؤلاء المعارضين للإخوان، وتجاهل الحديث عن هذه الآلاف المؤيدة، وإذا تظاهر في ميادين مدن مصر الملايين ينادون بالحفاظ على الثورة ركَّزوا على أقل الميادين عددًا ليفتُّوا في عضد الناس ويشعرونا أن الجماهير قد انفضَّت عن حماية الثورة.
لا يمكن أن يكون ما يحدث من الإعلام عفوًا أو غير مقصود؛ لأن المتصدِّرين للمشهد الإعلامي هم نفس الوجوه الكالحة التي كانت أيام مبارك، لم تتغير الوجوه، وإنما تغيرت القنوات التي يظهرون فيها؛ فهو تبديل للمواقع وليس تغييرًا في المواقف أو الخطاب، والله الذي لا إله إلا هو إن التاريخ لن يرحم أبالسة الإعلام ومموليهم، وإن الشعب لن ينطلي عليه مثل هذه الألاعيب، وسوف تسقط دولة الإعلام الخادع المزيف.
وهؤلاء الذين يحصدون الملايين ليل نهار لطمس الحقائق وتزييفها وتزيين الباطل بكل السبل والذين ينفقون عليهم هذه الملايين لتشويه صورة الإسلام.. (فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ 36) (الأنفال).
ألا تراهم جميعًا يبدءون برامجهم بقولهم: نحن لا نقول إلا الحقائق ولا نقول إلا الصدق.. وبعضهم يحلف بالطلاق أنه صادق لا يريد إلا مصلحة الوطن، فكلامهم يشي بكذبهم والله سبحانه مخرج ما يكتمون، ويظهر حقيقتهم من فلتات ألسنتهم، قبَّحها الله من ألسنة كاذبة.. وصدق الله سبحانه إذ يقول: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ 29 وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ 30) (محمد).