مهما حدث من توتر في العلاقة بين القاهرة والرياض، فإن روح الأخوة ستتغلب في النهاية، إنه توتر بين شقيقين لا يستغنيان عن بعضهما، وينسيان خلافهما فورًا بمجرد تعرض أحدهما لخطر من طرف ثالث، هكذا كانت العلاقات المصرية السعودية، وهكذا ستستمر في المستقبل مهما حاول بعض المتربصين من هنا أو هناك.
ليست الأزمة الحالية التي تصاعدت على خلفية احتجاز المحامي المصري أحمد الجيزاوي بتهمة حيازة مواد مخدرة هي الأولى من نوعها بين البلدين، فقد سبقتها أزمات كثيرة، خصوصًا في فترة الستينيات حين كان الخلاف محتدمًا بين الحكم الناصري والأسرة الحاكمة في السعودية، وقد تكرر التوتر في عهد الرئيس السادات خصوصًا بعد زيارته إلى إسرائيل وتوقيعه لمعاهدة "كامب ديفيد"، وشهدت فترة حكم مبارك توترات متفرقة؛ بسبب تعرض مواطنين مصريين لتجاوزات في المملكة، وربما كانت تلك التراكمات هي التي فجّرت غضب الشباب المصري عقب القبض على الجيزاوي؛ إذ إنهم استحضروا على الفور صور التجاوزات التي تعرض لها المصريون في الدول الخليجية المختلفة إبان عهد مبارك، وبما أن شعار الكرامة كان واحدًا من أهم شعارات ثورة 25 يناير، فقد تحرك أولئك الشباب للدفاع عن كرامة الجيزاوي دون أن يعرفوا تفاصيل القصة بالكامل، لكن هذا التحرك لم يقتصر على مجرد التعبير السلمي عن رفض اعتقال مواطن مصري إلى التعدي على سيادة دولة شقيقة، وذلك عبر كتابة بعض الشعارات المرفوضة مصريًّا قبل أن ترفض سعوديًّا على جدران السفارة، ومحاولة إنزال العلم السعودي، وكأنه علم إسرائيل، والتلفظ بألفاظ نابية يرفضها الدين والخلق، ويعاقب عليها القانون.
كان من المفترض أن تكثف قوات الشرطة العسكرية حضورها أمام السفارة بعد انتشار خبر احتجاز الجيزاوي، وكان من المفترض أن تسمح للمتظاهرين أن يعبروا عن رأيهم بكل حرية، ولكن دون التعدي على مقر السفارة، في المقابل كان من واجب السلطات السعودية أن تتعامل بشفافية منذ اللحظة الأولى للقبض على الجيزاوي، خاصة أنها تعلم أنها ليست مجرد حالة عادية، بل هو شخص سبق له رفع دعاوى ضد قادة المملكة، ومن ثم فإن أي تعامل معه سيفسر على أنه انتقام من تلك الدعاوى القضائية، كما كان ينبغي على السلطات السعودية أن تتفهم الروح الجديدة للشعب المصري بعد ثورة 25 يناير، فما كان يمر من قبل مرور الكرام لن يمر بعد 25 يناير دون وقفة حتى مع الشقيق، كان من واجب السلطات السعودية أن تتخذ كل إجراءاتها القانونية بحضور ممثل للسفارة أو القنصلية المصرية حتى يكون شاهدًا على صحة تلك الإجراءات، وحتى يشعر المواطن المصري أن كرامته محفوظة، وأن دولته تقف في ظهره، وأنه يتلقى معاملة كريمة، وأن كل الإجراءات معه صحيحة.
بالغت السلطات السعودية كثيرًا في ردِّ فعلها، عبر إغلاق السفارة والقنصليات، وسحب الدبلوماسيين وأُسرهم، وهو ما تبعه أيضًا نزوح بعض الأسر السعودية الأخرى من مصر، من حقِّ الأشقاء السعوديين أن يغضبوا لكرامتهم كما غضب المصريون، ولكن لا ينبغي أن يصل الغضب إلى العصب، أقصد بذلك أخوة الشعبين العربيين المسلمين، اللذين تشاركا السراء والضراء، فنحن في مصر لن ننسى أبدًا للأشقاء في السعودية وقفاتهم المتكررة معنا في كل أزماتنا، والتي كان آخرها موافقة المملكة على تقديم قروض جديدة لمصر بأكثر من 3 مليارات دولار قبل أسبوع واحد من الأزمة الأخيرة، وكيف لنا أن ننسى موقف الملك فيصل- رحمه الله- في حرب أكتوبر، والذي كان أحد أهم العناصر لكسب الحرب، حين منع تصدير البترول لدول الغرب المساندة للاحتلال الإسرائيلي، وعلى رأسها أمريكا، وهو القرار الذي رفع سعر النفط إلى أرقام خيالية لم يكن باستطاعة الاقتصاديات الغربية تحملها، كما أن الإخوة السعوديين لم ينسوا دور مصر في نشر التعليم في ربوع المملكة، وفي مشاركة الخبراء المصريين في نهضة المملكة الحديثة.
في مواجهة الأصوات المتطرفة في مصر والسعودية التي تتنافس في تصعيد الأزمة، هناك أصوات عاقلة كثيرة في القطرين الشقيقين تتحرك لوأد الفتنة، فالضرر الناتج عن تصعيد الأزمة سيصيب الجميع في البلدين، وأعجب أن البعض في مصر يهددون بوقف رحلات الحج والعمرة إلى المملكة التي تبلغ نفقاتها أكثر من 3 مليارات دولار سنويًّا، وكأن وقف هذه الرحلات سيصيب الاقتصاد السعودي بالعجز الكلي، بينما سيقع الضرر بالأساس على المواطنين المصريين الذين سيحرمون من أداء فريضة الحج وسنة العمرة، بينما لن يتضرر الاقتصاد السعودي بشيء لسبب بسيط، هو أنه سيتم توزيع حصة الحج والعمرة المصرية على دول أخرى، كما أن الاستثمارات السعودية في مصر تتجاوز 10 مليارات دولار في شكل مصانع ومشروعات عقارية وسياحية... إلخ يعمل بها آلاف المصريين، أضف إلى ذلك أكثر من مليون مصري يعملون في المملكة، وفي مقابل ذلك، فإن عوائد تلك الاستثمارات السعودية في مصر تعود مرة أخرى إلى المملكة، كما أن العمالة المصرية في السعودية تسهم في نمو اقتصاد المملكة وازدهاره، وإلى جانب العلاقات الاقتصادية تبقى أهمية العلاقات السياسية بين الدولتين، خصوصًا عقب الانتهاء من انتخابات رئاسة الجمهورية واستقرار الأوضاع في مصر.نريد من الشباب المصري الغاضب أن يتعامل بعقلانية، وأن يفرق بين الاحتجاج السلمي الحضاري، وبين العدوان على سيادة ورموز دولة شقيقة، ونريد من القيادة السعودية أن توقف تصاعد ردود الفعل، كما نريد منها أن تثبت أنها فعلاً منحازة للشعب المصري كما كانت من قبل في عهد الملك فيصل- رحمه الله- وليست متعاطفة مع المخلوع مبارك، وذيول حكمه، فالعلاقة مع الشعوب هي الأبقى.