فرق كبير بين أن تتحدث إلى الناس مباشرةً وجهًا لوجه؛ حيث تتداخل أفكارهم مع أفكارك، وتختلط مشاعرهم مع مشاعرك، وأن تتحدث إليهم عبر وسيط إعلامي مرئي أو مكتوب، لا تعلم على وجه اليقين إن كان قد وصل إليهم ما تريد أن ترسله بالفعل لهم أم لا ، وما هي نوعية الرسالة التي استقوها من كلامك على وجه التحديد.

 

وأمر خطير أن تترك الناس تائهين بين شاشات الفضائيات وصفحات الجرائد ومواقع الإنترنت، دون استطاعتهم أن يستقروا على رأي، أو أن يستسلموا لوجهة النظر التي تنبع من رغبة في الهجوم على الإخوان والتيار الإسلامي، أكثر من الرغبة في الإنصاف وتوضيح الحقائق وعدم التجني في تفسير الأمور.

 

وعندما يواجه الإعلام التيار الإسلامب بهذه الضراوة ويظل يبحث جاهدًا عن تفسيرات ملتوية ويقوم بترويجها بصورة هستيرية، فإنها تؤثر بلا شك، وتضعنا في موضع اتهام لا نحسد عليه.

 

واذا كانت الآلة الإعلامية التي تتفنن في الهجوم باعتباره فريضةً مهنيةً أحيانًا، أو وسيلة لجذب الآنتباه والإثارة أحيانًا أخرى، أو أنها بالفعل تعبر عن وجهة نظر حقيقية من أناس مشهود لهم بالوطنية والنزاهة أحيانًا ثالثة، إذا كانت هذه الآلة الإعلامية لا يوازيها إعلام  قادر على توضيح وجهة النظر الأخرى، يصبح الأمر هنا مدعاةً للخطر، حتى وإن بذل الكثير من الجهد، واتخذت المواقف السياسية بصدق نية، ورؤية لمصالح الوطن بغرض العبور به إلى بر الأمان، رغم الاختلاف عليها.

 

إذن الإعلام يهاجم.. هذه حقيقة، وأفكار الناس تتغير أو تشوش على أحسن تقدير، هذه حقيقة أخرى، والموقف أصبح مزعجًا، هذه حقيقة ثالثة.

 

من هنا جاءت فكرة العمل الميداني بالنزول إلى الشارع والحديث إلى الناس مباشرةً دون وسيط، والحوار معهم بأذن صاغية وقلب مفتوح، معتمدين على أرضية واسعة من العلاقات الطبية والثقة المتبادلة.

 

فوائد العمل الميداني

تتعدد فوائد العمل الميداني عبر النزول للشارع من خلال النقاط الآتية:

1- أن له قدرة أكبر وأعمق على تغيير الأفكار، فالناس تشكِّل أفكارها غالبًا عن طريق المشاهدة التليفزيونية، وهي طريقة لتبنِّي لأفكار، لكن الوسيلة الأقوى منها هي الوسيلة الناشئة عن حوار حي مباشر من شخصيات لها رصيد عن الناس، فإذا نجحنا في ذلك فستكون الفكرة الجديدة أكثر قوةً واستقرارًا.

2- أنه يضع قدمك بالتحديد على مكانك في الشارع في لحظة معينة، ويمكنك من تحديد نقاط القوة والضعف بدقة.

3- أنه يزيد من التحام الشارع بك، ويشعر الناس أنك مهتم بهم، فيقدرون جهدك، وتنال قدرًا من التعاطف حتى وإن خالفوك الرأي.

4- يعطيك فرصة للتعرف على المخالفين والمعارضين، ويمكنك من إنشاء علاقة جيدة معهم، إذا ما استطعت أن تدير معهم الحوار بنجاح.

5- فرصة كبيرة للتدريب على الحوار وجرأة الحديث والانفتاح على المجتمع.

 

وسائل العمل الميداني

للعمل الميداني وسائل عدة، نذكر منها ثلاث وسائل جربت بالفعل ولقيت نجاحًا لافتًا للنظر، وهي كالآتي:

 

أولاً: الخيمة

وهي عبارة عن خيمة لها أرجل حديدية وغطاء من القماش، يمكن فردها وضمها حسب الحاجة في مساحة صغيرة من الشارع في نقطة يتم الاستقرار عليها، هذه النقطة تتميز بكثافة المرور البشري؛ حيث يراعى عدم تعطيل حركة الشارع أو إيذاء الباعة، ثم توضع لمبة داخلية للإنارة، ومنضدة صغيرة، ويوضع على الخيمة لافتات تعبر عن الحزب أو الهدف من الخيمة.

 

يقوم بمهمة الحديث مجموعة مكونة من 8 إلى 10 أفراد؛ حيث يقف اثنان أو أربعة أمام الخيمة، والباقي ينتشرون على نقط متباعدة لمقابلة الناس والحوار معهم، انطلاقًا من استطلاع رأي سنتحدث عنه لاحقًا بإذن الله.

 

يشترط في هذه المجموعة أن تكون ملمة بموضوع الحوار، وأن تكون مدربة على الرد على الأسئلة المحتملة، وأن تكون لها قدرة على الحوار دون تصعيد الأمر إلى خلاف شخصي في حالة الخلاف في وجهات النظر.

 

ثانيًا: القافلة

والقافلة تتكون من فردين أو ثلاثة أفراد يسيرون في الشوارع، يسلمون على المجموعات الواقفة أو السائرة ويطلبون الحديث معهم، انطلاقًا من استطلاع رأي معد مسبقًا، ثم يتم الحوار بنفس طريقة الخيمة.

 

والتجمعات ستكون هدف القافلة دائمًا، وهي موجودة في الجامعات والقهاوي والنوادي الرياضية.

 

والفرق بين الخيمة والقافلة أن الخيمة ثابتة، بينما القافلة متحركة، والقافلة تحتاج إلى عدد أقل بكثير من الخيمة.

 

ثالثًا: المؤتمرات والندوات

وهي فكرة معروفة؛ حيث يتم عن طريق إلقاء محاضرة من محاضر أو أكثر، وهو عمل يتميز بقدرته على جمع عدد كبير من الناس، على أن يسمح فيها بإبداء الرأي عن طريق طرح الأسئلة والإجابة عليها، والموضوع يطرح عن طريق محاضرة يتم النقاش حولها.

 

رابعًا: الصالونات الثقافية

وهي تحتوي على عدد أقل من المؤتمر والندوة: 15 أو 20 فردًا؛ حيث يمكن تجميعهم في منزل أو مقرات الأحزاب أو مندرة أحد البيوت.. إلخ؛ حيث يتم طرح الموضوع والنقاش حوله من الحاضرين.. (راجع مقال: الصالون الثقافي.. فكرة دعوية جديدة).

 

التحضير للعمل الميداني

1- وضع استطلاع رأي يشمل كل النقاط التي يتم الهجوم من خلالها على الإخوان والتيار الإسلامي، عن طريق وضع أسئلة بها اختيارات، ثم الانطلاق من هذه النقاط إلى الحوار وتوضيح الرؤى وتغيير الأفكار.

 

2- يتم اختيار مجموعة ملمة بموضوع الاستطلاع، ويكون لها قدرة على إجراء حوار مع الناس؛ حيث يتم تحديد النقاط المحتمل إثارتها، والاتفاق على أمثل الطرق للرد عليها قبل النزول للشارع.

 

3- تجتمع المجموعة بعد انتهاء العمل لتقييم الأداء ومعرفة نقاط الضعف والقوة أثناء الحوار، كي يتم الحوار بصورة أفضل في المرة القادمة.

 

إننا بلا شك أمام تحدٍّ جديد، يضاف إلى تحديات كثيرة تعودنا عليها قبل الثورة وبعدها، وسننجح إن شاء الله كما نجحنا في غيرها من قبل، إذا توكلنا على الله حسن التوكل، وعزمنا على العمل بجد، ووثقنا أن الله سيقف بجانبنا طالما كنا نعمل في سبيله، وقلوبنا متجهة إليه في كل حال.. قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق).

-------

* ahmedsalah146@yahoo.com