الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين.. أما بعد.
 
إخوة الإسلام: عن عمر بن العاص حدثني عمر أنه سمع رسول الله يقول: "إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا، فذلك الجند خير أجناد الأرض" قال أبو بكر: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: "إنهم في رباط إلى يوم القيامة" (1).
 
 
 
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: فِي كِتَابِ الْخِطَطِ يُقَالُ: إِنَّ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ "مِصْرُ خَزَائِنُ الْأَرْضِ كُلِّهَا، فَمَنْ أَرَادَهَا بِسُوءٍ قَصَمَهُ اللَّهُ"، وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ: مِصْرُ بَلَدٌ مُعَافَاةٌ مِنَ الْفِتَنِ، مَنْ أَرَادَهَا بِسُوءٍ كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ.
 
 
 
أخوة الإسلام: مصر هي كنانة الله في الأرض، وهي رعاية وحماية الدين الإسلامي والمسلمين منذ أن أسلم أهلها (إنهم في رباط إلى يوم القيامة)، ولكن شاء القدر أن تمر مصر بمراحل ضعف، وأن يتولى أمرها من أبنائها من خانوا عهدها وخربوا أرجاءها وأذلوا أهلها وكانوا عونا لأعدائها، فلما خانوا الأمانة التي استرعاهم ربهم عليها أهلكم وأذلهم، ولكن بقي أذنابهم، فهم يحاولون أن يخربوا مصر لكي يعودوا جالسين على أطلالها، ومصر الآن تحتاج أن يرعاها أبناؤها المخلصين؛ لتعود لمجدها وريادتها ورعايتها للدين الإسلامي والمسلمين، فما المطلوب منا الآن؟
إخوة الإسلام: المطلوب كثير ولكن فقه الأولويات يقتضي منا أن نقدم المهم حاليًّا على غيره، وهو محاربة أذناب النظام السابق، وأداء الأمانة كما أرادها الله منا كمسلمين.
 
 
 
فالأمر الأول: محاربة أذناب النظام السابق:
 
فأذناب النظام السابق وإن كانوا قلة إلا أنهم ما زالوا يسيطرون على أرجاء الدولة ومؤسساتها، فالداخلية والخارجية والتعليم والإعلام والمحافظين وغير ذلك تحت أيدي الكثير منهم، ولأنهم تربوا على النفاق والفساد، فهم يظهرون الجميل ويخفون القبيح، والسبب أنهم لم يفهموا الدرس ولا يعلموا أن الله أعطاهم فرصة لكي يعودوا إلى رشدهم، وهم يرون سادتهم وكبراءهم في غيابات السجون قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ 11 أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ 12)(البقرة).
 
 
 
إخوة الإسلام: تذكروا قصة أبا عزة الشاعر: أن أبا عزة الشاعر وقع أسيرًا في يد المسلمين في غزوة بدر، واستعطف النبي صلي الله عليه وسلم أن يخلي سبيله، ففعل مشترطًا عليه ألا يقاتل المسلمين ولا يحرص عليهم، فلما كانت غزوة أحد خرج مع المشركين ليحرضهم ويحمسهم ضد المسلمين، فكان أن وقع في الأسر مرة أخرى وكان الأسير الوحيد الذي وقع في أيدي المسلمين، فعاد يكرر طلبه للنبي صلى الله عليه وسلم أن يمن عليه، فقال صلي الله عليه وسلم: "لا تذهب تهز عطفيك في مكة تقول خدعت محمدًا مرتين، لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين" ثم أمر بقتله.(3)
 
 
 
واللدغ في اللغة يكون بالأسنان، واللسع يكون بالذنب، ومعنى الحديث أن المؤمن كَيِّسٌ فطن لا ينخدع مرتين من موضع واحد، وهو هنا يحرض المؤمن على الحذر والفطنة.
 
 
 
فالمطلوب منا أن نقاوم هؤلاء ونتصدى لهم ولا نمكنهم من أي منصب في أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، وإلا كنا خائنين لمصر ولأهلها، وخالفنا منهج نبينا صلى الله عليه وسلم: "لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين".
 
 
 
الأمر الثاني: أن نؤدي الأمانة: والأمانة في مفهوم الإسلام واسعة الدلالة، وهي ترمز إلى معان شتى، منها:
 
1- شعور المسلم والمسلمة بتبعته في كل أمر يوكل إليه، وإدراكه الجازم بأنه مسئول عنه أمام ربه على النحو الذي فصله الحديث الشريف: "كلكم راع ومسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته".(4)
 
 
 
2- أنها العلامة الحقيقة للإيمان، فلا إيمان بدونها، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قلما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" ( 5 )
 
 
 
ومن الأمانات المطلوب أداؤها نختار اثنين:
 
الأول) إسناد المناصب والوظائف، فمن الأمانة وضع كل شيء في المكان الجدير به، فلا يسند منصف ولا وظيفة إلا لمن توفرت فيه الشروط لتوليها دون النظر لمجاملة أو مصلحة أو صداقة أو غير ذلك ، فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: "يا أبا ذر! إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها). ( 6 )
 
 
 
الثاني) عن اختيار الأفراد وترشيحهم لأداء مهام عامة، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" (7).
 
 
 
إخوة الإسلام: ليعلم كل منا أن مهمة أداء الأمانة في الاختيار تحتاج أن لا يحرك الاختيار هوى ولا منفعة شخصية ولا صلة رحم ولا قوة صداقة ولا بغض لطرف منافس، ولكن يكون أمر الاختيار مبني على التجرد التام لله، وإلا كان اللعن على صاحبه، فعن يزيد بن أبي سفيان قال: قال لي أبو بكر رحمه الله حين بعثني إلى الشام: يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالولاية، وذلك أكبر ما أخاف عليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ولي من أمر المسلمين شيئًا فأمر عليهم أحدًا محاباة فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً حتى يدخله جهنم"(8).
 
 
 
إخوة الإسلام: خائن الأمانة يوم القيامة مذلول عليه الخزي والندامة، قال النبي صلىالله عليه وسلم: "لكل غادر لواء يُعرف به يوم القيامة" (9)، ويا لها منفضيحة وسط الخلائق، فلا يضيع الأمانة ولا يخون إلا كل مسلم منافق، أما المسلم المؤمن فهو بعيد عنذلك.
 
 
 
فهيا نؤدي الوفاء لمصر وأهلها بل وللأمة الإسلامية والعربية بل ولدنيا كلها، يقول الشاعر:
 
بصـدق القـلـوب وعـزم الرجـال            يد الله يا مصر ترعى سماك
 
وفـي سـاحـة الحـق يـعـلو نـداك  وما دام شعبكيحمي حماك
 
ستمضي إلى النصر دومًا خطاك
 
سلام عليك إذا ما دعانا                         رسول الجهاد ليوم الفداء
 
وسالت مع النيل يومًا دمانا                     لنبني لمصر العلا والرخاء
 
-------------------------------
 
 الهوامش:
 
1) أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر، وفيطريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق وإسنادُه ضعيف.
 
2) سورة البقرة.
 
3) رواه البخاري- القصة باختصار.
 
4) صحيح البخاري– عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
 
5) المحدث: البغوي، وقال حديث حسن.
 
 
7) رواه الحاكم وصححه عن ابن عباس مرفوعًا.
 
8) رواه أحمد وفيه رجل لم يسم.
 
9) متفق عليه.