أعرفكم بنفسي أولاً: أنا أسعد، عراقي الجنسية، يعتبرني بعضهم طفلاً لأني لم أبلغ الخامسة عشر بعد، ولكني على الدوام أرفض هذه التسمية التي لم أعرف معناها طيلة الأعوام التي عشتها!!، وإذا لم تصدقوا فاقرءوا هذه الصفحات من دفتر يومياتي التي أصبحت وسيلتي الوحيدة لإزاحة الهموم والمتاعب:
السبت.... يا له من صباح!! فقد صحوت اليوم على دوي خمسة انفجارات بالقرب من منزلنا، كان الصوت شديدًا، والاهتزاز عنيفًا، ركضت إلى مصدر الصوت بالرغم من تحذيرات والدتي، لم ألق لها بالاً، فقد تعلم العراقي على مناظر الدم والأشلاء، قد تسألون كيف لطفل أن يتحدث بهذه اللغة؟! فأقول: عش في العراق فستتعلمها من غير معلم في بضعة أيام!!.
الأحد.... لم التحق اليوم بالمدرسة، ويجب أن أنسى من الآن وصاعدًا كوني طالبًا، فيجب أن أنزل إلى الشارع لأعمل كي أوفر لقمة العيش لوالدتي وأختي الصغيرة، بالمناسبة لم أقل لكم إنني اكتسبت صفة اليتيم منذ عام بعدما خرج أبي لعمله صباحًا فلم يعد، ظللت انتظره طوال اليوم، مالت الشمس إلى المغيب، اكفهر الجو، علا صوت والدتي بكاءً ونحيبًا، اعتصر قلبي من فرط الحزن.. يا الله.. يا له من شعور فظيع وقاس بالألم.
الإثنين... لا بأس بالعمل.. بحثت طويلاً عنه.. لم أجد سوى بيع المناديل الورقية سبيلاً لتأمين بعضًا من حاجاتنا.. صحيح أن الشمس لاهبة.. والتعب مضنٍ.. لكني أصبّر نفسي بابتسامة ترسم على شفاه أختي ووالدتي حين عودتي.. فذاك معناه نجاتي من كل النيران والألغام والقنابل المتفجرة وغير المتفجرة المملوءة بها بلادنا اليوم، وتحيط بنا صباح مساء.
الثلاثاء... اليوم كان محزنًا... فقد قتل بسام زميلي في العمل.. كم أحببت هذه الزهرة ذات الاثني عشر عامًا.. كان منظره ووجهه مغطى بالدماء، مرت سيارة مسرعة يقودها شاب أهوج بسرعة فظيعة فأنتهت حياته في ثوان معدودات... هذه الحياة التي حدثني عنها وهو مغمض العينين قائلاً: أتمنى أن أكون يومًا ما رسامًا، أقيم المعارض، وأحصد الجوائز، كم كانت رسوماته وخطوطه دقيقة ومعبرة.. ظل يحلم حتى رسمت على وجهه أقسى اللوحات المبكية.
الأربعاء... تقول لي أمي: ما الذي يحدث لك يا أسعد وأنت نائم، وما الذي تراه؟! إنك تصرخ كل حين.. وتبقى تتقلب في فراشك دون توقف؟ قلت لها: أنَّى للعراقي أن يرتاح حتى في نومه!! فتجيبني وابتسامة حنون تعلو وجهها: لقد أصبحت رجلاً مبكرًا.. وتعانقني فلا أجد الراحة إلا في أحضانها الدافئة التي ما زالت عصية على كل خصوم العراق!!.
الخميس... مررت بمدرستي.. تلمست جدرانها بحرقة.. سمعت الطلبة يرددون الدرس، فأفلتت مني دمعة ساخنة جرحت وجنتاي.. ثم رأيت ساحة كرة القدم والبعض من زملائي يلعبون، فهربت راكضًا كي لا تزيد معاناتي.. والمصيبة أن أطفال العراق باتوا يتمثلون ما يرونه ويعيشونه بشكل مفزع.. أرى أختي ترسم فأجدها تخطط لصور معركة ودبابات وطائرات ونيران عدوة وصديقة!!، أنظر إلى الأطفال في شارعنا وهم يلعبون، فأجدهم يلهون بألعاب على شكل أسلحة متوسطة وخفيفة!! ماذا يتبقى إذن، من طفولتهم؟!!.
الجمعة... غبت عن الوعي فجأة.. وتعددت تفاسير الأطباء.. قيل حينًا سوء التغذية.. وقال آخر بل هو تأثير الشمس.. وأفتى ثالث: بل هو الماء الملوث.. ورابع وخامس وسادس... وحين زال الألم.. سئلت فأجبتهم.. لا تسألوا عن السبب!! فمن يعش أيامنا النحسات.. يشطب كلمة الطفل في قاموسه.. ويركب موجة الحياة المنهكة.. وأمله الوحيد الذي يسلي به حياته.. غد مشرق، وشمس دافئة بلا إحراق.. ووطن يحتضنه ولا يعتصره، فيذيب عظامه ويحطم قواه... ولكن متى يأتي هذا اليوم الحلم؟!! لا أدري، لأني لم أجد له صفحة في يومياتي.. وأخشى أن لا أراه.
ملاحظة.. يومياتي بلا تواريخ.. لأننا فقدنا الإحساس بالزمن.. حين فقدنا معنى الأشياء!!.
----------------------------------
صحفي عراقي - بغداد