![]() |
|
تامر بكر |
فمنذ انتخابات مجلس الشعب ظهرت عبقرية البعض الفذة في فكرة ما زالوا يُروجون لها من يومها وحتى الآن، ألا وهي محاولة تشبيه فوز الإسلاميين بالأغلبية البرلمانية، واحتمالية حصولهم تبعًا لذلك على عدد من المناصب في الدولة بأن في ذلك تشبهًا بالحزب الوطني البائد في سيطرته على المناصب القيادية في الدولة، ومثل تلك الفكرة في رأيي هو نوع من الفهلوة السياسية مختلطة بنوع من التدليس أيضًا، وذلك لأن القائل بذلك يعتمد في فكرته على مجرد التشابه الظاهري بين ما كان موجودًا في السابق من وجود الحزب الوطني البائد في كل مناصب الدولة، وبين ما يحتمل من وجود حزب الحرية والعدالة بعد الثورة في بعض مناصب الدولة الحساسة كالرئاسة، وكأن المشكلة هي في مجرد الحصول على المناصب من كلا الحزبين، وليس في كيفية الحصول على تلك المناصب من كلا الحزبين، وكأن الحزب الوطني كان قد حصل على ما حصل عليه سابقًا بإرادة شعبية في انتخابات نزيهة، ولم يحصل عليها بالتزوير والقهر والإرهاب كما هو معلوم للجميع.
وبناء على تلك الفكرة الفهلوية ظهرت أثناء المرحلتين الثانية والثالثة من انتخابات مجلس الشعب الدعوة لما سُمي بـ(التوازن)، وحقيقة هذه الدعوة كانت مطالبة الناخبين المصريين بعدم انتخاب الإسلاميين؛ لأنه (يكفيهم ما حصلوا عليه)، وكأن الإسلاميين حصلوا على مغنم وليس مغرم أتى لهم بالمتاعب والتشويه والتأثير على شعبيتهم كما ظهر بعد ذلك، ورأيناه جميعًا مؤخرًا في تلك الحملة الإعلامية المسعورة والتي استهدفت تشويه مجلس الشعب، وتحميله كل تقصير الحكومة في تنفيذ ما أصدره المجلس من قوانين وتوصيات، وكذلك إحداث أزمات حادة تمس حياة كل المواطنين المصريين.
وأما في معركة الرئاسة فقد انتقل هؤلاء الفهلوية إلى مرحلة جديدة وهي مرحلة خلط الأوراق تمامًا كما يفعل الحواة من الإتيان ببيضة وحجر ويلعبون بهما في الهواء، ويتبادلونهما باليدين حتى لا يستطيع المشاهد أن يتابع أو أن يفرق بين البيضة وبين قطعة الحجر التي تشبه تلك البيضة، وهذا ما يحدث حاليًّا بالضبط.
ففي البداية عندما كان الإخوان المسلمون لا يريدون أن يرشحوا أحدًا منهم وأخذوا يبحثون عن مرشح توافقي يقدمونه للناس هاج الفهلوية عليهم ولم يهدءوا إلا بعد أن أفشلوا مشروع التوافق الذي حاول الإخوان فيه مع ثلاثة من المستشارين الكبار (البشري والغرياني ومكيّ)، بل لقد شُنت حملة شعواء على فكرة التوافق ذاتها، وأنها مناقضة لفكرة الديمقراطية، حتى لقد أصبحنا حينئذ نستحي أن نذكر لفظ التوافق ذلك، وطبعًا كان لكل المرشحين المحتملين وقتها موقف معارض من فكرة التوافق تلك؛ لأن التوافق لم يكن عليهم.
وإذا بنا حاليًّا بعد أن اضطر الإخوان اضطرارًا لخوض معركة انتخابات الرئاسة نجد أولئك الفهلوية يخرجون علينا بالدعوة للتوافق على مرشح رئاسي لمواجهة الفلول، وفجأة أصبح الذين هاجموا التوافق بالأمس يدعون إليه اليوم دون أن يتغير الواقع حولهم في شيء، اللهم إلا ترشح الإخوان، وهو ما يعني عندي أن العودة إلى فكرة التوافق هدفها الأوحد هو إقصاء مرشح الإخوان، فمن رفض التوافق للقبول بالتوافق بشرط ألا يكون على مرشح الإخوان، فتشابه هؤلاء في نظري مع الحواة الذين يلعبون بالبيضة والحجر!.
وليس ذلك فحسب، فلقد وجدنا بعض هؤلاء أخذ يبشر بالخطر العظيم الذي يمكن أن تقع فيه البلاد إذا ما انتخب الشعب من حزب واحد أكثرية مجلس الشعب وكذلك رئيس الدولة، وسموا ذلك سيطرة، وأخذوا في سطحية شديدة يشبهون ذلك مرة أخرى بالحزب الوطني!.
وتناسى هؤلاء أننا في المرحلة الحالية نحتاج إلى إدارة للبلاد يكون بينها نوع من التفاهم والتكامل لا التنافر؛ لتتمكن تلك الإدارة من تحمل مسئوليتها أمام الله أولاً ثم أمام الشعب الذي انتخبها، وتقدم له مشروعًا نهضويًّا متكاملاً يتبناه ويرعاه كل المصريين بكلِّ اتجاهاتهم، وفي حالة تكوين تلك الإدارة من خليط متنافر من الاتجاهات السياسية لا يوجد بينها حد أدنى من التفاهم؛ فإن الخاسر في النهاية لا سمح الله هي مصر، أدعو الله أن يحفظها، وأن يولي علينا مَنْ يصلح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
